تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩

الإيضاح

كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعجب من كفر قومه به وبما أنزل عليه مع وضوح برهانه وإظهار إعجازه ؛ وكان يضيق صدره لذلك ويبلغ منه الحزن والأسف كل مبلغ كما قال في سورة هود
« فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ »
. فبين اللّه أسباب ذلك ومناشئه من طباع البشر وأخلاقهم ، ليعلم أن الحجة مهما تكن ناهضة فإنها لا تجدى إلا عند من كان مستعدا لها وزالت عنه موانع الكبر والعناد ، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة :
( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
أي إن علة تكذيبهم بالحق هي إعراضهم عن الآيات وإقفال باب النظر والاستدلال لإخفاء الآيات في أنفسها وقوة الشبهات التي تحوم حولها ، فلو أننا نزلنا عليك كتابا من السماء في قرطاس فرأوه نازلا فيها بأعينهم ولمسوه عند وصوله إلى الأرض بأيديهم لقال الذين كفروا منهم : ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر بيّن في نفسه ، وإنما خيل إلينا أننا رأينا كتابا ولمسناه ، وما ثمّ كتاب نزل ولا قرطاس رئى ولا لمس ، وتلك مقالة أمثالهم في آيات الأنبياء من قبل ، ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . . . وإنما قال لمسوه بأيديهم ، ليبين أن المراد باللمس المعنى الأول لا الثاني الذي بيناه فيما سلف ، ومن ثمّ قال قتادة : فعاينوه ومسّوه بأيديهم . وقال مجاهد فمسّوه ونظروا إليه ؛ واللمس أقوى اليقينيات الحسية وأبعدها عن الخداع ، لأن البصر يخدع بالتخيل ، وجاء في سورة الحجر :
« وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ
[ حبست ومنعت ]
أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ »
.