تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
فيتمتعون بالنظر إلى جمالها واستنبات الأشجار والثمار التي يأكلونها ، ويولدون النّعم والماشية التي تتغذى من مراعيها . والخلاصة - إنهم أوتوا من البسطة في الأجسام ، والامتداد في الأعمال ، والسعة في الأموال ، والاستمتاع بلذات الدنيا ما لم يؤته أهل مكة ، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئا فكفروا بأنعم اللّه ولم يؤمنوا بما جاءهم به أنبياؤهم ، بل كذبوهم فاستحقوا العقاب وإلى ذلك أشار بقوله :
( فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ )
أي فكان عاقبة أمرهم أن أهلكنا كل قرن منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يجترحونها ، وأوجدنا من كل منهم قرنا آخر يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكران النعمة . والذنوب التي تدعو إلى الهلاك ضربان : ( 1 ) معاندة الرسل والاستكبار والعتوّ والتكذيب . ( 2 ) كفران النعم بالبطر وغمط الحق وظلم الضعفاء ومحاباة الأقوياء والإسراف في الفسق والفجور والغرور بالغنى والثروة ، كما جاء في قوله :
« وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها ، فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ »
. وفي هذه الآية رد على كفار مكة وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وفقرهم كما حكى اللّه عنهم في قوله :
« وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ »
. وهؤلاء القوم الذين يخلفون من نزل بهم عذاب اللّه لا بد أن يخلفوا عنهم في صفاتهم وإن كانوا من أبناء جنسهم ، فالعبر والحوادث واختلاف الزمن لها تأثير