تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
لما علم صحة قصدهم وأنهم لا يريدون تعجيزه ولا اقتراح آية - دعا اللّه بهذا الدعاء وناداه بالاسم الكريم الدال على الألوهية والقدرة والحكمة إلى نحو أولئك من صفات الكمال ، ثم باسم الرب الجامع لمعنى الملك والتدبير والتربية والإنعام . أي يا اللّه يا مالك أمرنا ومتولى تربيتنا أنزل علينا مائدة سماوية يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم وتتغذى بها أبدانهم ، وتكون عيدا خاصا بنا معشر المؤمنين دون غيرنا بأول من آمن منا وآخر من آمن ، واجعلها علامة من لدنك ترشد القوم إلى صحة دعوتي وصدق نبوتي ، وارزقنا منها ومن غيرها ما به تتغذى أجسامنا ، فأنت خير الرازقين ترزق من تشاء بغير حساب . ومن محاسن هذا الدعاء أنه أخر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية ، بعكس ما فعله الحواريون ، إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى .
( قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ )
أي وعد اللّه عيسى بإنزال المائدة مرة أو مرارا لكنه رتب شرطا على هذا الوعد فقال :
( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ )
أي إن من يكفر منكم بعد نزول هذه الآية التي اقترحتموها ، وجاءت بطريق لا لبس فيه ولا شك ، فإني أعذبه عذابا شديدا لا أعذب مثله أحدا من سائر كفار العالمين ، لأن عقاب المخطئ أو الكافر يكون بقدر تأثير الخطيئة أو الكفر في نفسه ، والبعد فيه عن الشبهة والعذر ، وأي شبهة أو عذر لمن يرى الآيات من رسوله تترى ، ثم يقترح آية خاصة تشترك في العلم بها حواسه جميعا وينتفع بها في دنياه قبل آخرته ، فيعطى ما طلب ، ثم ينكص بعد ذلك كله على عقبيه ويكون من الكافرين . وللعلماء في الطعام الذي نزل في المائدة آراء : فقيل هو خبز وسمك ، وقيل خبز ولحم ، وقيل كان ينزل عليهم طعاما أينما ذهبوا كما كان ينزل المنّ على بني إسرائيل كما رواه ابن جرير عن ابن عباس .
تفسير المراغي — صفحة 59 | أحمد مصطفى المراغي