وقل أن يوجد من المشركين من يتخذ إلها غير اللّه متجاوزا بعبادته الإيمان بالله الذي هو خالق الكون ومدبره ؛ فالإيمان الفطري الذي غرس في نفوس البشر يرشد إلى أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية لا يدرك كنهها أحد ، فالموحدون أتباع الأنبياء يتوجهون بعباداتهم إلى رب هذه السلطة الغيبية وحده اعتقادا منهم أنه هو الفاعل الكامل التصرف ، وإن نسب الفعل إلى غيره فبإقدار اللّه إياه وتسخيره له بمقتضى سننه في خلقه ، والمشركون يتوجهون إليه تارة وإلى بعض ما يستكبرون من خلقه تارة أخرى كالشمس والنجم والملائكة وبعض مخلوقات أخرى ، ويتوجهون أحيانا إليهما معا فيجعلون تلك المخلوقات المعظمة وسيلة إلى خالق الأكوان ومدبر الكائنات .
والخلاصة - إن اتخاذ إله من دون اللّه يراد به عبادة غيره سواء أكانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره ولو بدعاء هذا الغير والتوجه إليه ليكون واسطة عنده .
وقد نعى اللّه عليهم اتخاذ المسيح إلها في مواضع عدة من هذه السورة ، وعبادة أمه كانت معروفة في الكنائس الشرقية والغربية ، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانس ( إصلاح المسيحية ) التي جاءت بعد الإسلام بزمن طويل .
وهذه العبادة منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء على المعبود ، ومنها ما هو استغاثة واستشفاع ، ومنها ما هو صيام ينسب إليها ويسمى بصيام العذراء ، وكل أولئك يقترن بخشوع وخضوع لذكرها ولصورها وتماثيلها واعتقاد السلطة الغيبية لها وأنها تنفع وتضر في الدنيا والآخرة إما بنفسها أو بواسطة ابنها ويسمونها ( والدة الإله ) .
والآية ترشد إلى أنهم اتخذوها هي وابنها إلهين ( والاتخاذ غير التسمية ) فيصدق بالعبادة وهي واقعة حتما .
( قالَ سُبْحانَكَ )
التسبيح تنزيه اللّه تعالى عما لا يليق به ، وأصل الكلمة من السبح والسباحة ، وهي الذهاب السريع البعيد في البحر أو البر ومنه فرس سبوح .
أي أنزهك يا اللّه عن أن يكون معك إله آخر ، وبذا أثبت له التنزيه عن المشاركة في الذات والصفات .