تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥

الإيضاح

( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ )
أي إن اللّه تعالى جعل الكعبة التي هي البيت الحرام قياما لمن يقيمون بجوارها ولمن يحجون إليها أي سببا لقيام مصالحهم ومنافعهم - ذلك بأن مكة بلد لا ضرع فيه ولا زرع ، وقلما يوجد فيه ما يحتاج إليه أهله ، فجعل اللّه الكعبة معظمة في القلوب ، يرغب الناس جميعا في زيارتها والسفر إليها من كل فج ، وصار ذلك سببا في إسباغ النعم على أهلها - إجابة لدعاء إبراهيم صلوات اللّه عليه كما حكاه اللّه عنه بقوله :
« رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ »
. إلى أنها كانت قياما للناس في دينهم بما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات التي هي من أسباب حط خطيئاتهم ورفع درجاتهم . إلى أن أهلها صاروا بسبب الكعبة أهل اللّه وخاصته والسادة المعظمين إلى يوم القيامة ، كما صاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم ، فقد كان العرب يتقاتلون ويغير بعضهم على بعض إلا في الحرم حتى لو لقى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى أعظم الجنايات لم يتعرّض له كما قال تعالى
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ »
. وكذلك جعل الشهر الحرام سببا لقيام الناس ، لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضا ، ويغير بعضهم على بعض في سائر الأشهر حتى إذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم ، وكانوا يحصّلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام ، ولولاه لتفانوا من الجوع والشدة . وكذلك جعل الهدى سببا لقيام الناس ، لأنه يهدى إلى البيت ويذبح ويفرّق لحمه على الفقراء فيكون نسكا للمهدى وقياما لمعيشة الفقراء .