تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
أوامر دينهم ، لكن الذي يسهل عليهم ذلك ظنهم أن الضرر المتيقن إنما يكون بالإسراف والانهماك في الشراب ، وأن القليل منها إن لم ينفع فلا يضر ، فلا ينبغي تركه مع ما فيه من لذة النشوة والذهول عن هموم الدنيا وآلامها . إلى ما في ذلك من مجاملة الإخوان ، لكنهم مخدوعون ؛ إذ هم لو سألوا من سبقهم إلى هذه البلوى وأسرف في السكر حتى فسدت صحته ومروءته وضاعت ثروته ، هل كنت حين بدأت تنوى الإسراف والإدمان ؟ لأجابك بأنه ما كان يقصد إلا النزر القليل في فترات متطاولة من الزمن ، وما كان يعلم أن القليل يجر إلى الكثير الذي يصيبه بالداء الدوىّ ولا يجد إلى الخلاص منه سبيلا . وقد يعرض لبعض من يؤمن بحرمة الخمر شبهات فيقول إن الخمر المتخذة من العنب هي المحرمة لذاتها وأن ما عداها لا يحرم منه إلا المقدار المسكر فعلا ، لكنهم واهمون فيما فهموا ، إذ جاء في الحديث الصحيح قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كل مسكر خمر وكل خمر حرام » . وآخر تعلة لهم الغرور بكرم اللّه وعفوه ، أو اعتمادهم على بعض الأعمال الصالحة - ولا سيما ما يسمونه بالمكفّرات - أو على الشفاعات وهذا الجهل والغرور يصبح عقيدة في نفوسهم بما يسمعونه من كلام فساق الشعراء المدمنين كأبى نواس كقوله :
تكثّر ما استطعت من المعاصي * فإنك واجد ربا غفورا
وقوله : ورجوت عفو اللّه معتمدا على * خير الأنام محمد المبعوث
ولو صح أمثال هذا الهذيان لكان الدين لغوا وعبثا . ولكان المسلم يضرب بأوامر دينه عرض الحائط انتظارا لشفاعة ترجى أو عفو ربما أتيح له من فضل ربه ، وكان التقى والفاجر سواء ؛ وقد ثبت في صحيح الأحاديث « أنه كان يؤتى بالشارب في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم فيضرب بالأيدي والجريد وبالثياب والنعال » و في حديث أنس : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين »