تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
والخلاصة - إن هذه الآيات تبين لنا سنة اللّه في البشر ، وأن الجزاء إنما يكون على الأعمال لا على الأسماء والألقاب .
( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ )
أي قد جاءكم رسولنا الذي بشّرتم به في كتبكم وأخبركم به أنبياؤكم ، فقد جاء على لسان موسى ( أنه سيقيم نبيا من بنى إسماعيل إخوتكم ) وعلى لسان عيسى ( أنه سيجيء البارقليط روح الحق الذي يعلمكم كل شئ ) وفي الإنجيل الرابع إن اليهود أرسلوا كهنة ولاويين ( أحبارا ) فسألوا يوحنا عليه السلام : أأنت المسيح ؟ قال : لا . أأنت إيليا ؟ قال : لا . أأنت النبىّ ؟ قال : لا . هذا الرسول هو محمد بن عبد اللّه النبي الأمى يبين لكم على فترة من الرسل أي على انقطاع منهم وطول عهد بالوحي - جميع ما أنتم في حاجة إليه من أمور دينكم ودنياكم من عقائد أفسدتها عليكم نزغات الوثنية ، وأخلاق وآداب صحيحة أفسدها عليكم إفراطكم في الأمور المادية والروحية ، وعبادات وأحكام تصلح أمور الأفراد والمجتمع . ويدخل في ذلك ما بينه لكم مما كنتم تخفون من الكتاب لإقامة الحجة عليكم ، ولولا أنه رسول من عند اللّه لما تسنى له أن يعرف شيئا مما جاء به . وقد أرسل - صلوات اللّه عليه - وقد فشا التغيير والتحريف في الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها ، فاختلط فيها الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات ، إذ لهم أن يقولوا : يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ، ولكن كيف نعبدك ؟ فبعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الحين لإزالة هذا العذر الذي بينه سبحانه بقوله :
( أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ )
أي إننا إنما بعثناه إليكم كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير يبشرنا بحسن العاقبة للمؤمنين ، وينذرنا بسوء عاقبة المفسدين الضالين