تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
ولا شك أن هذه العقيدة وثنية أخذت عن قدماء المصريين والبراهمة والبوذيين وغيرهم من وثني الشرق والغرب .
( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ؟ )
أي قل أيها النبي الكريم لهؤلاء النصارى : من يقدر على دفع الهلاك والموت عن المسيح وأمه ، بل عن سائر الخلق جميعا إن أراد أن يهلكهم ويبيدهم ؟ وخلاصة هذا - إن المسيح وأمه من المخلوقات القابلة للفناء والهلاك كسائر أهل الأرض ، فإذا أراد اللّه أن يهلكهما ويهلك أهل الأرض جميعا لا يستطيع أحد أن يردّ إرادته ، لأنه هو مالك الملك الذي يصرّفه بمقتضى مشيئته وإرادته ، وإذا كان المسيح لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ولا عن أمه الهلاك كما لا يستطيع أن يدفعه عن غيره ، فكيف يكون هو اللّه الذي بيده ملكوت كل شئ ؟ ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك فقال :
( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما )
أي فمن يملك من اللّه شيئا إن أراد إهلاك المسيح وأمه وأهل الأرض قاطبة ؟ فهو صاحب الملك المطلق والتصرف في السماوات والأرض وما بينهما أي وما بين العالمين العلوي والسفلى بالنسبة إليكم . ثم دفع شبهة تحوك في صدورهم من كيفية خلق عيسى فقال :
( يَخْلُقُ ما يَشاءُ )
أي إن تلك الشبهة التي عرضت لكم وجعلتكم تزعمون أن المسيح بشر وإله - هو أنه خلق على غير السنة العامة وأنه عمل أعمالا عجيبة لا تصدر من عامة البشر ، فاللّه له ملك السماوات والأرض ، ويخلق الخلق على مقتضى مشيئته ، فقد يخلق بعض الأحياء من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة كأصول أنواع الحيوان ، ومن ذلك أبو البشر آدم عليه السلام ، وقد يخلق بعضها من أنثى فقط ، وقد يخلق بعضها من ذكر وأنثى ، وشكل الخلق وسببه لا يدل على امتياز لبعضها عن بعض ، ولا على ألوهية لبعضها ، ولا حلول الإله الخالق فيها ، فسنة اللّه في خلق المسيح ومزاياه لا تدل على كونه إلها وربّا ، لأن هذه المزايا في الخلق كلها بمشيئة الخالق ولا يخرج بها المخلوق عن كونه مخلوقا .