تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
( وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
وبقدرته يخلق ما يشاء ، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى ، وتارة بدون أب ولا أم كما في آدم ، وأخرى من أم ولا أب له كما في عيسى عليه السلام . والخلاصة - إن كل ما تعلقت به مشيئته ينفذ بقدرته ، وإنما يعدّ بعضه غريبا بالنسبة إلى علم البشر الناقص لا بالنسبة إليه تعالى ، وكذلك غرابة بعض أفعالهم قد تكون عن علم كسبىّ يجهله غيرهم ، أو عن تأييد ربانىّ لا صنع لهم فيه ولا تأثير روى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابن أبىّ وبحرىّ بن عمرو وشاس بن عدي من اليهود فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى اللّه وحذّرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ نحن واللّه أبناء اللّه وأحباؤه ، كما قالت النصارى ذلك فأنزل اللّه فيهم :
( وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )
إلى آخر الآية ، وقد جاء إطلاق هذا اللفظ ( أبناء للّه ) في الإنجيل على الملائكة وعلى المؤمنين الصالحين كما حكاه متّى في وعظ المسيح على الجبل من قوله : ( طوبى لصانعى السلام ، لأنهم أبناء اللّه يدعون ) وكقول بولس في رسالته إلى أهل رومية ( لأن كل الذين ينقادون بروح اللّه فأولئك هم أبناء اللّه ) ومن هذا يعلم أن
( ابْنُ اللَّهِ ) *
يستعمل في كتبهم بمعنى حبيب اللّه الذي يعامله معاملة الأب لابنه من الرحمة والإحسان والتكريم ، ولكن النصارى تحكموا في هذا اللقب فجعلوه بمعنى الابن الحقيقي للمسيح ، وبالمعنى المجازى بالنسبة إلى غيره من الصالحين . وقد رد اللّه عليهم بقوله لنبيه :
( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ )
أي قل لهم أيها النبي إذا كان الأمر كما زعمتم ، فلم يعذبكم اللّه بذنوبكم في الدنيا كما ترون ؟ من تخريب الوثنيين لمسجدكم الأكبر ، ولبلدكم المرة بعد المرة ، ومن إزالة ملككم من الأرض ، والأب لا يعذب ابنه ، والحبيب لا يعذب حبيبه ، فلستم إذا