تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يخفونه ، ولا يظهر الكثير مما يكتمونه ، وإنما لم يظهره لأنه لا حاجة إلى إظهاره في الدين ، والفائدة في ذكر بعضه إعلامهم بأن الرسول عالم بكل ما يخفونه ، فيكون ذلك داعيا لترك الإخفاء حتى لا يفتضحوا ومن شأن علماء السوء في كل أمة أن يكتموا من العلم ما يكون حجة عليهم وكاشفا عن سوء حالهم ، أو يحرّفوه بحمله على غير ظاهر معناه .
( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ )
النور هو النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وسمى بذلك لأنه للبصيرة كالنور للبصر ، فكما أنه لولا النور ما أدرك البصر شيئا من المبصرات ، كذلك لولا ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة من أهل الكتاب ولا من غيرهم حقيقة الدين الحق ، ولا ما طرأ على التوراة والإنجيل من ضياع بعضها أو نسيانه ، وعبث الرؤساء بالبعض الآخر بإخفاء شئ منه أو تحريفه ، ولظلّوا في ظلمات الجهل والكفر لا يبصرون . والكتاب المبين : هو القرآن الكريم وهو بيّن في نفسه ، مبيّن لما يحتاج إليه الناس لهدايتهم .
( يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
قوله : من اتبع رضوانه ، أي من كان همه من الدين ابتغاء رضوان اللّه ، لا تقرير ما ألفه ونشأ عليه وأخذه من أسلافه مع ترك النظر والاستدلال ، والسلام بمعنى السلامة : أي طرق السلامة من كل مخافة ، وقوله من الظلمات إلى النور : أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وقوله : بإذنه أي بإرادته أو بتوفيقه بالجري على سننه تعالى في تأثير الأعمال الصالحة والعقائد الصحيحة في النفوس وإصلاحها إياها ، وقوله : إلى صراط مستقيم ، أي إلى الدين الحق لأنه واحد ومتفق من جميع جهاته ؛ أما الباطل فمتعدد الطرق ، وكلها معوجة ملتوية . وقد ذكر سبحانه للكتاب ثلاث فوائد : 1 ) إن المتبع لما يرضى اللّه بالإيمان بهذا الكتاب - يهديه إلى الطرق التي يسلم بها في الدنيا والآخرة من كل ما يبعده عن الشقاء والهلاك ، فيقوم في الدنيا بحقوق اللّه