تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
شديد العداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو الذي زين لهم قتله والغدر به فركن إلى قول ابن أبىّ ، وبعث إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إنا لن نخرج من المدينة فافعل ما بدا لك . فعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم أنهم يريدون الحرب فخرج هو والمسلمون للقائهم يحمل لواءه علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، فلما وصلوا إليهم أقاموا على حصونهم يرمونهم بالنبل والحجارة ، ولما اشتد عليهم الحصار ورأوا ألا سبيل لهم إلى المقاومة رضوا بالخروج سالمين وعلموا أن وعد ابن أبىّ كان هو الغدر والخيانة بعينها ، وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قادرا حينئذ على استئصالهم والقضاء عليهم ولكنه اختار العفو والإحسان واكتفى بإبعادهم عن المدينة على أن يخرجوا منها ، وليس معهم إلا أولادهم وما حملت الإبل إلا السلاح ، ورحلوا إلى خيبر . وهذه الآية نزلت بعد هذا كله لأنها من آخر ما نزل ، ولم يعاقب اليهود بعدها على خيانة ولا غدر ، ولكنه أوصى بإجلائهم عن جزيرة العرب .
( وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ )
أي وكذلك أخذنا من النصارى الثبات على طاعتنا وأداء فرائضنا واتباع رسلنا والتصديق بهم ، فسلكوا في ميثاقنا الذي أخذناه عليهم طريق اليهود الضالين ، فبدلوا دينهم ونقضوا الميثاق الذي أخذناه عليهم بالوفاء بعهدنا .
( فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ )
لأن نسيان حظ عظيم من كتابهم كان سببا في تفرقهم في الدين واتباع أهوائهم ، وتبع هذا أن وقعت بينهم العداوة والبغضاء بمقتضى سننه تعالى في هذه الحياة ، ومن أجل هذا نسبه سبحانه إلى نفسه مع أنه من أعمالهم الاختيارية ، لأنه كان نتيجة حتمية لتلك السنن التي وضعت في الخليقة
( وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ )
أي وسينبئهم اللّه عند الحساب في الآخرة بما كانوا صنعوا في الدنيا من نقض للميثاق ، ونكث للعهد ، وتبديل للكتاب ،