أدّيتم الصلاة على وجهها ، وأعطيتم ما فرض عليكم من الصدقات التي تتزكى بها نفوسكم وآمنتم برسلي الذين أرسلهم إليكم بعد موسى ، كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد ونصرتموهم معظّمين لهم ، وبذلتم من المال زيادة على ما أوجبه اللّه عليكم بالزكاة فكنتم بذلك بمثابة من أقرض ماله لغنىّ مليء وفىّ لا يضيع عليه ، بل يجده أمامه عند شدة الحاجة إليه - لئن فعلتم كل هذا لأزيلنّ بتلك الحسنات تأثير سيئاتكم التي سلفت منكم من نفوسكم ، فلا يبقى فيها رجس ولا خبث يقتضى العقاب ، فإن الحسنات يذهبن السيئات كما يغسل الماء الأدران والأوساخ ، ولأدخلنكم تلك الجنات التي لا يدخلها إلا من كان طاهرا من الشرك وما يتبعه من المعاصي والآثام التي تفسد الفطرة .
( فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ )
أي فمن جحد منكم شيئا مما أمرته به فتركه ، أو عمل شيئا مما نهيته عنه بعد أخذ الميثاق عليه بالوفاء لي بطاعتي واجتنابه معصيتي - فقد أخطأ الطريق الواضح وضلّ الصراط المستقيم الذي يوصل سالكه إلى إصلاح قلبه وتزكية نفسه ويجعله أهلا لجوار ربه في تلك الجنات .
ثم بيّن أنهم لم يوفوا بهذا العهد فجازاهم على سوء صنيعهم فقال :
( فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً )
أي فبسبب نقضهم للميثاق الذي أخذ عليهم - ومن ذلك الإيمان بمن يرسلون من الرسل ونصرهم وتبجيلهم وتعظيمهم - استحقوا مقتنا وغضبنا والبعد من ألطافنا ، فإن نقض الميثاق أفسد فطرتهم ودنس نفوسهم ، وقسّى قلوبهم ، حتى قتلوا الأنبياء بغير حق وافتروا على مريم وأهانوا ولدها الذي أرسل إليهم ، ولإصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم ، وحاولوا قتله وافتخروا بذلك - فبكل هذا بعدوا عن رحمة اللّه ، إذ جرت سنته أن الأعمال السيئة تؤثر في النفوس آثارا سيئة ، فتجعل القلوب قاسية لا تؤثر فيها الحجة والموعظة ، ومن ثم تستحق مقت اللّه وغضبه والبعد من فضله ورحمته ، وما مثل هذا إلا مثل من يهمل العناية بنفسه ، ولا يراعى القوانين الصحية فهو لا شك سيصاب بالأمراض والأسقام ، ولا يلومنّ حينئذ إلا نفسه ، إذ كان هو السبب في ذلك بإهماله .