تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
أهل الكتاب ونسائهم إذا كن محصنات ، ثم أمرهم بالطهارة مع رفع الحرج عنهم - ذكر هنا ما ينبغي أن يكون من معاملتهم سواهم سواء أكانوا أعداء أم أولياء ، ثم ذكر وعده لعباده الذين يعملون الصالحات ووعيده لمن كفر وكذب بالآيات ، وختمها بذكر المنة الشاملة ، والنعمة الكاملة ، إذ أنقذهم من أعدائهم وأظهرهم عليهم ، وكانوا على وشك الإيقاع بهم ، ولكن رحمهم وكبت أعداءهم وردّهم صاغرين ، ليكون الشكر أتم ، والوفاء ألزم .

الإيضاح

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ )
أي ليكن من دأبكم وعادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالإخلاص للّه في كل ما تعملونه من أمر دينكم وأمر دنياكم ، بأن تريدوا بعملكم الخير والتزام الحق بدون اعتداء على أحد ، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ابتغاء مرضاة اللّه .
( شُهَداءَ بِالْقِسْطِ )
الشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به ، أو إظهاره هو له بالحكم به أو الإقرار به لصاحبه ، وفي كل حال تكون بالعدل بلا محاباة لمشهود له ولا لمشهود عليه ، لأجل قرابة أو مال أو جاه ، ولا تركه لفقر أو مسكنة . فالعدل هو ميزان الحقوق ، إذ متى وقع الجور في أمة لأي سبب زالت الثقة من الناس ؛ وانتشرت المفاسد ، وتقطعت روابط المجتمع ، فلا يلبث أن يسلط اللّه عليهم بعض عباده الذين هم أقرب منهم إلى العدل فيذيقوهم الوبال والنكال ، وتلك سنة اللّه في حاضر الأمم وغابرها ، ولكن الناس لا يعتبرون .
( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا )
أي ولا تحملنكم العداوة والبغضاء لقوم على عدم العدل في أمرهم بالشهادة لهم بحقهم إذا كانوا أصحاب حق ، أو الحكم لهم بذلك ؛ فالمؤمن يؤثر العدل على الجور والمحاباة ، ويجعله فوق الأهواء وحظوظ الأنفس وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما .