تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
( اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى )
هذه الجملة توكيد للجملة السالفة للعناية بأمر العدل وأنه فريضة لا هوادة فيها ، لأنه أقرب لتقوى اللّه والبعد عن سخطه . وتركه من أكبر المعاصي ، لما ينشأ عنه من المفاسد التي تقوّض نظم المجتمعات ، وتقطع الروابط بين الأفراد ، وتجعل بأسهم بينهم شديدا .
( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ )
أي واتقوا سخطه وعقابه لأنه لا يخفى عليه شئ من أعمالكم ظاهرها وباطنها ، واحذروا أن يجازيكم بالعدل على ترككم للعدل ، وقد مضت سنته في خلقه بأن يجعل جزاء ترك العدل في الدنيا الذلة والمهانة للأمم والأفراد ، وفي الآخرة الخزي يوم الحساب .
( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
أي الأعمال التي يصلح بها أمر العباد في أنفسهم وفي روابطهم الاجتماعية ، ومن أهمها العدل فيما بينهم وتقوى اللّه في جميع أحوالهم . ثم بين سبحانه ما وعدهم به بعد أن ذكره أوّلا مجملا لتتوجه النفس للسؤال عنه حتى إذا جاء تأكد في النفس وتقرر هذا الوعد فقال :
( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ )
المغفرة الستر ، والإيمان والعمل الصالح يستران ويمحوان من النفس ما يكون فيها من سوء أثر الأعمال السالفة فيغلب عليها حب الحق والخير وتكون أهلا للوصول إلى عالم القدس والطهر ، والأجر العظيم هو الجزاء المضاعف على الإيمان والعمل الصالح فضلا من اللّه ورحمة من لدنه .
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ )
الكفر هنا هو الكفر باللّه ورسله ، لا فارق في ذلك بين كفر بالجميع وكفر بالبعض . وآيات اللّه قسمان آياته المنزلة على رسله وآياتها التي أقامها في الأنفس والآفاق للدلالة على وحدانيته وكماله وقدرته وإرادته ، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه ، والجحيم النار العظيمة كما قال تعالى حكاية عن قوم إبراهيم
« قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ »