فالأب عين الابن وعين روح القدس ، ولما كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضا ، وقد ذكرنا فيما سلف أن النصارى أخذوا عقيدة التثليث من قدماء الوثنيين .
ثم ردّ اللّه عليهم ما قالوه بلا روية ولا بصيرة ، فقال :
( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ )
أي ولا يوجد إله إلا من اتصف بالوحدانية وهو الإله الذي لا تركيب في ذاته ولا في صفاته ، فليس ثمّ تعدد ذوات وأعيان ، ولا تعدد أجناس وأنواع ، ولا تعدد جزئيات وأجزاء .
ثم توعدهم على هذه المقالة فقال :
( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ )
أي وإن لم يتهوا عن قولهم بالتثليث ويتركوه ، ويعتصموا بعروة التوحيد ويعتقدوه ، فو اللّه ليصيبنّهم عذاب شديد يوم القيامة جزاء كفرهم .
وفي الآية إيماء إلى أن هذا العذاب لا يمس إلا الذين كفروا منهم خاصة دون من تاب وأناب إلى اللّه تعالى ورجع عن عقيدة التثليث وغيرها .
ثم تعجب من حالهم بإصرارهم على التثليث بعد أن ظهرت لهم البينات ، وقامت عليهم الحجج المبطلة له ، والنذر بالعذاب المرتب عليه ، فقال :
( أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؟ )
أي أيسمعون ما ذكر من التفنيد لآرائهم والوعيد عليها ، ثم لا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى التوحيد واستغفار اللّه عما فرط منهم ، والحال أن ربهم واسع الرحمة عظيم المغفرة يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم ما فرط من الزلات إذا هم آمنوا وأحسنوا واتقوا وعملوا الصالحات .
ثم ذكر أن المسيح رسول كغيره من الرسل وأقام الدليل على ذلك فقال :
( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ )
أي ليس المسيح إلا رسول من الرسل الذين بعثهم اللّه لهداية عباده ، قد مضت من قبله رسل اختصهم مثله بالرسالة وأيدهم بالآيات ، وأمه صديقة فلها في الفضل مرتبة