تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
عتوا وضلالا ، حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل ولا هديهم ، بل صار ذلك مغريا لهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل أولئك الهداة البررة والسادة الأخيار . ثم ذكر ما سولته لهم أنفسهم على سوء أفعالهم فقال :
( وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ )
الفتنة الاختبار بشدائد الأمور كتسلط الأمم القوية عليهم بالقتل والتخريب والاضطهاد : أي وظنوا ظنا قويا تمكن من نفوسهم أنه لا تقع لهم فتنة بما فعلوا من الفساد ، لأنهم كانوا يقولون نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، ويعتقدون أن نبوة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب . ثم بين نتائج ذلك فقال :
( فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ )
أي فعموا عن آيات اللّه التي أنزلها في كتبه مرشدة إلى عقابه للأمم المفسدة الظالمة ، وعما وضعه من السنن في خلقه مصدقا لذلك ، وصموا عن سماع المواعظ التي جاءهم بها أولئك الرسل وأنذروهم بالعقاب إذا هم خالفوها ونقضوا الميثاق وخرجوا عن هدى الدين ، وظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم وساروا في غيهم ، وانهمكوا في ضلالهم ، فسلط اللّه عليهم من سامهم الخسف وأوقع بهم البوار والدمار ، فجاس البابليون خلال ديارهم ، وأحرقوا المسجد الأقصى ونهبوا أموالهم وسبوا أولادهم ونساءهم وسلبوهم أموالهم وثلّوا عروش ملكهم ، ثم رحمهم اللّه وتاب عليهم حين أقلعوا عن الفساد وأعاد إليهم ملكهم وعزهم على يد ملك من ملوك الفرس ، إذ جاء إلى بيت المقدس وعمره وردّ من بقي من بني إسرائيل في أسر بخت‌نصّر إلى وطنهم ، ورجع من تفرق منهم في الأقطار فاستقروا وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا . ثم عموا وصموا مرة أخرى وعادوا إلى ظلمهم وفسادهم في الأرض وقتلوا الأنبياء بغير حق فقتلوا زكريا وأشعيا وأرادوا قتل عيسى عليه السلام ، فسلط اللّه عليهم الفرس ثم الروم ( الرومانيين ) فأزالوا ملكهم واستقلالهم .