تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وفي قوله
( كَثِيرٌ مِنْهُمْ )
إشارة إلى أن عمى البصيرة والصمم عن المواعظ لم يكن للجميع بل كان للكثير منهم ، واللّه تعالى يعاقب الأمم بذنوبها إذا كثرت وشاعت فيها ، إذ العبرة بالغالب لا بالأقل النادر الذي لا يؤثر في صلاح ولا فساد ومن ثم قال تعالى :
« وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً »
.
( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ )
لنبيه وخاتم أنبيائه من الكيد والمكر وتدبير الإيقاع به وتأليب القبائل والشعوب المختلفة لتكون يدا واحدة للفتك به ، وما سبب ذلك إلا اتباعهم للهوى ، وأنهم عموا وصموا مرة أخرى فصاروا لا يبصرون ما جاء به من النور والهدى ولا يسمعون ما يتلوه عليهم من الآيات ، وسيعاقبهم اللّه على ذلك بمثل ما عاقبهم به من قبل وينكّل بهم أشد النكال ، ويذيقهم أنواع الوبال . وبعد أن عدد قبائح اليهود ومخازيهم شرع يفصل قبائح النصارى ويبطل أقوالهم الفاسدة وآراءهم الزائفة ، فقال :
( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ )
أي أقسم إن هؤلاء الذين ادّعوا أن اللّه هو المسيح بن مريم - قد كفروا وصلّوا ضلالا بعيدا ، إذ هم في إطرائه ومدحه غلوا أشد من غلوّ اليهود في الكفر به وتحقيره ، وقولهم عليه وعلى أمه الصدّيقة بهتانا عظيما ؛ وقد صارت هذه المقالة هي العقيدة الشائعة عندهم ، ومن عدل عنها عدّ مارقا من الدين فقالوا : إن الإله مركب من ثلاثة أصول يسمونها ( الأقانيم الثلاثة ) وهي الأب والابن وروح القدس فالمسيح هو الابن واللّه هو الأب وقد حل الأب في الابن واتحد به فكون روح القدس ، وكل واحد من هذه الثلاثة عين الآخرين . وخلاصة ذلك - اللّه هو المسيح ، والمسيح هو اللّه كما يزعمون . ثم ذكر أن المسيح يكذبكم في ذلك فحكى عنه :
( وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ )
أي والحال أن المسيح قال لهم ضد ما يقولون . فقد أمرهم بعبادة اللّه وحده ، معترفا بأنه ربه وربهم ، ودعا بني إسرائيل الذين أرسل إليهم إلى عبادة اللّه وحده ، ولا يزال هذا الأمر محفوظا في الأناجيل التي كتبت لبيان بعض سيرته وتاريخه ففي إنجيل يوحنا ( وهذه هي الحياة الأبدية