تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
ثم ندّمهم على سوء أعمالهم فقال :
( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ )
أي ولو أنهم آمنوا باللّه ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها ومحونا عنهم ذنوبهم ولم نفضحهم بها ، ولأدخلناهم في الآخرة جنات ينعمون بها . وفي ذلك إعلام من اللّه بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم ، ودلالة على سعة رحمته ، وفتحه باب التوبة لكل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبلغ سيئات اليهود والنصارى ، وإخبار بأن الإيمان لا ينجّى إلا إذا شفع بالتقوى ، ومن ثم قال الحسن : هذا العمود فأين الأطناب ؟
( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ )
أي ولو أقاموا ما في التوراة والإنجيل المنزّلين بنور التوحيد ، المبشّرين بالنبي الذي يأتي من أبناء إسماعيل ، والذي قال فيه عيسى عليه السلام : إنه روح الحق الذي يعلمهم كل شئ . وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم على هذا النبي الكريم الذي بشرت به كتبهم - لوسع اللّه عليهم رزقهم ، ولأعطتهم السماء مطرها وبركتها ، والأرض نباتها وخيرها ، كما قال تعالى :
« لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ »
. وفي هذا تنبيه إلى أن ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم ، لا من قصور في فيض اللّه وعظيم عطائه ، وإشارة إلى أنهم لو أقاموهما ما عاندوا النبي ذلك العناد ، فالدين عندهم إنما كان أماني يتمنّونها ، وبدعا وتقاليد يتوارثونها ، فهم بين غلوّ وتقصير وإفراط وتفريط . ثم ذكر أنهم ليسوا سواسية في أفعالهم وأقوالهم فقال :
( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ )
أي منهم جماعة معتدلة في أمر دينها لا تفرط ولا تهمل ، وهم الذين أسلموا كعبد اللّه بن سلام وأضرابه من اليهود ،