تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
والمعروف في كتب السيرة أن اليهود كانوا يغرون المشركين بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، ومنهم من سعى لتحريض الروم على غزوهم ، ومنهم من كان يؤوى أعداءهم ويساعدهم ، ككعب بن الأشرف ، وما سبب ذلك إلا الحسد والعصبية ، وخوف الأحبار والرهبان من إزالة الإسلام لامتيازاتهم العلمية والدينية التي كانوا معروفين بها في بلاد الحجاز ، فكانت عداوتهم للمسلمين عداوة سياسية جنسية ليست من طبيعة الدين ولا روحه ، والدليل على ذلك أن اليهود كان لهم ضلع بعد ذلك مع المسلمين في الشام والأندلس ، لما رأوا من عدلهم وإزالة الجور والظلم الذي كان عليه الروم والقوط . وكذلك عداوة النصارى للمسلمين كانت سياسية وكانت على أشدها بينهم وبين الروم المستعمرين للبلاد المجاورة للحجاز كالشام ومصر ، وكان نصارى البلاد أقرب ميلا إلى المسلمين بعد أن وثقوا بعدلهم ، وزال عنهم ظلم الروم مع كونهم من أهل دينهم ، وقد جرت العادة أن الناس يتبعون في العداوة أو المودة ما تمليه عليهم منافعهم ومصالحهم .
( وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً )
أي إن ما يأتونه من عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين وإيقاد الفتن والحروب لم يكن بقصد الإصلاح للأخلاق وشؤون العمران والاجتماع ، بل كانوا يقصدون السعي في الأرض للفساد ، ويحاولون الكيد للمؤمنين ومنع اجتماع كلمة العرب ، ويودون ألا يخرجوا من الأمية إلى العلم والعرفان ، ولا من الوثنية إلى التوحيد ، حسدا لهم وحبا في دوام امتيازهم عنهم .
( وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )
في الأرض بل يبغضهم ، ومن ثم لا ينجح سعيهم ، ولا يصلح عملهم ، لأنهم يريدون أن يبطلوا حكمته تعالى في صلاح الناس ، وعمران البلاد . ومن ثم أبطل سبحانه كل ما كاده أولئك القوم للنبي صلى اللّه عليه وسلم والعرب والإسلام ، وأصلح بالإسلام ما كانوا خرّبوه من البلاد ، ونصر المسلمين على كل من ناوأهم ، وكذلك هم تركوا التوراة والإنجيل وهما قد أنزلا لهداية الناس إلى الصلاح والإصلاح ، فزال ملكهم وسلط اللّه عليهم غيرهم .