تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
يعزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قاله أو فعله سلفهم منذ قرون . ولا عجب في صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم ، فإنا نرى من المسلمين في عصرنا مثله في الشكوى من اللّه عزّ وجل والاعتراض عليه عند الضيق وفي إبّان المصائب . ثم دعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته فقال :
( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا )
هذا دعاء عليهم بالبخل وانقباض الأيدي عن العطاء والإمساك عن الإنفاق في سبيل البر والخير وما زالوا أبخل الأمم ، فلا يكاد أحد منهم يبذل شيئا إلا إذا كان يرى أن له من ورائه ربحا ، كما دعا عليهم بالطرد والبعد من رحمته وعنايته الخاصة بعباده المؤمنين . وقيل إن المراد بغل الأيدي ربطها إلى الأعناق بالأغلال في الدنيا أو في النار أو فيهما ، فقد نقل عن الحسن البصري أنه قال : يغلّون في الدنيا أسارى ، وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم ، وقال في تفسير اللعنة : عذّبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار . ثم رد سبحانه عليهم ما قالوه وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء وأن كل ما في العالم من خير هو سجل من ذلك الجود فقال :
( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ )
أي بل هو الجواد المتصرف وفق حكمته وسننه في الاجتماع . وتقتير الرزق على بعض العباد لا ينافي سعة الجود ، وسريانه في كل الوجود ، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق . وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين ، لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته ، يعطى بكلتا يديه كما قال الأعشى يمدح جوادا :
يداك يدا جود فكفّ مفيدة * وكفّ إذا ما ضنّ بالزاد تنفق