تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
إلا لسوء نيتهم ، وفساد طويّتهم ، وذلك ما صرف قلوبهم عن التذكر والاعتبار ووجّه هممهم إلى الكيد والخداع ، فلم يكن لديهم عقول تعى وتفقه مغزى الحكم والآداب . ثم ذكر من شؤونهم ما هو شر مما سلف فقال :
( وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ )
أي وترى أيها الرسول كثيرا من هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينك هزوا ولعبا - يسارعون في الظلم والعدوان وتجاوز الحدود التي ضربها اللّه للناس ، وفي أكل السحت وكل ما يعود على فاعله بالضرر في الدين والدنيا ، فهم غارقون في الإثم والعدوان ، فكلما قدروا عليهما ابتدروهما ولم يتأخروا عن ارتكابهما . ثم بالغ في قبح هذه الأعمال فقال :
( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )
أي واللّه ما أقبح هذا العمل الذي يعمله هؤلاء من مسارعتهم في كل ما يفسد الأخلاق ، ويدنّس النفوس ، ويقوّض نظم المجتمع ، وويل للأمة التي يعيش فيها أمثال هؤلاء ، فهلّا نهاهم علماؤهم وزهادهم وعبّادهم عن أفعالهم بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر قبل أن يستفحل الشر ، ويعم الضّر ؟ وإلى هذا أشار بقوله :
( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ )
قال في الكشاف : لا يسمى العامل صانعا ولا العمل صناعة حتى يتمكن فيه العامل ويتدرب وينسب إليه ، وفاعل المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها ، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره ، فإذا فرّط في الإنكار على المعصية كان أشد إثما وأعظم جرما من الفاعل لها اه . أي هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون فيما ذكر من المعاصي - أئمتهم في التربية والسياسة ، وعلماء الدين من الأحبار والرهبان ، لبئس ما كانوا يصنعون من الرضى بهذه الأوزار والخطايا ، وتركهم فريضة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . روى عن ابن عباس أنه قال : ما في القرآن أشد توبيخا من هذه الآية - يريد بذلك أنها حجة على العلماء إذا هم قصروا في الهداية والإرشاد ، وتركوا النهى عن الشرور
تفسير المراغي — صفحة 150 | أحمد مصطفى المراغي