تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )
أي افعلوا كل هذا رجاء الفوز والفلاح ، والسعادة في المعاش والمعاد والخلود في جنات النعيم . وبعد فلم يؤثر عن صحابي ولا تابعي ولا أحد من علماء السلف أن الوسيلة هي التقرب إلى اللّه تعالى بغير ما شرعه اللّه للناس من الإيمان والعمل كالدعاء ونحوه . ولكن جدّ في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين أي جعلهم وسائل إلى اللّه تعالى والإقسام بهم على اللّه ، وطلب قضاء الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو بعيدا عنها ، وكثر هذا حتى أصبح الناس يدعون مع اللّه أصحاب القبور في الحاجات أو يدعونهم من دون اللّه ، وألّف بعض الناس كتبا في هذا ، وزعم أنهم يسمعون ويستجيبون للداعي ، وشغف العامة بمثل هذا القول المخالف لقول اللّه تعالى :
« فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
وقوله :
« إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ »
وقوله :
« وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ »
والذي عليه المعول في ذلك أن لفظ التوسل يراد به أحد معان ثلاثة : ( 1 ) التوسل إلى اللّه بطاعته والتقرب إليه بفعل ما يرضيه ، وهذا فرض حتم وبه جاءت الشرائع وهو أس كل دين . ( 2 ) التوسل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بدعائه وشفاعته كما كان الصحابة يفعلون ، وهذا كان في حال حياته ، ولهذا قال عمر بن الخطاب : « اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا » أي بدعائه وشفاعته ، ويوم القيامة يتوسل المؤمنون بدعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم وشفاعته . ( 3 ) التوسل باللّه بمعنى الإقسام بذاته ، وهذا لم تكن الصحابة تفعله في الاستسقاء ونحوه لا في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا بعد مماته لا عند قبره ولا بعيدا عنه ،