تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ )
أي أولئك الملازمون للنار لا ينفكون عنها ، لأن ظلمة أرواحهم ، وفساد عقائدهم ، وسوء أعمالهم ، اقتضت خلودهم في تلك الهاوية المظلمة المستعرة التي وقودها الناس والحجارة ، قد أعدت لكل من جحد بآيات ربه ، وأعرض عن دعوة أنبيائه ورسله ، ولم يصغ إلا لداعى الهوى والشهوات . وبعد أن أبان أن أموالهم لا تغنى عنهم شيئا ، ذكر أن ما ينفقونه من المال في سبل الخير لا يجديهم ليزيل ما ربما علق بالبال من أنهم ينتفعون به ، وضرب لذلك مثلا فقال :
( مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ )
أي إن ما ينفقونه في اللذات ، ونشر الصيت ، واكتساب الشهرة ، وتأييد الكلمة ، فيصدهم عن سبيل اللّه ، ويفسد عقولهم وأخلاقهم التي هي عماد المنافع ، كمثل ريح باردة أصابت حرث قوم فأهلكته . وخلاصة ذلك - أن حالهم فيما ينفقون وإن كان في الخير كحال الريح الشديدة البرد التي تهلك الزرع ، فهؤلاء لا يستفيدون من نفقتهم شيئا ، كما أن أصحاب ذلك الزرع كذلك . فهم إذا أنفقوا أموالهم في بناء الحصون والقلاع لصد العدو ، وإقامة القناطر لحفظ المياه وأمن الطريق ، وفي الإحسان إلى الضعفاء واليتامى وذوى الحاجات ، ورجوا من ذلك الثواب الجزيل ، ثم قدموا إلى الآخرة ورأوا كفرهم قد أبطل آثار ذلك الخير ، كانوا كمن زرع زرعا وتوقع منه نفعا كثيرا ، فأصابته ريح فأحرقته ، فلا يبقى له إلا الحسرة والندامة ، ونحو الآية قوله :
« وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً »
وقوله :
« وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً »
. وجماع هذا كله قوله :
« إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ »
.
تفسير المراغي — صفحة 40 | أحمد مصطفى المراغي