المعنى الجملي
بعد أن نهى سبحانه فيما تقدم عن عادات الجاهلية في أمر اليتامى وأموالهم أعقبه بالنهى عن الاستنان بسنتهم في النساء وأموالهن ، وقد كانوا يحتقرون النساء ويعدونهن من قبيل المتاع حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله ، فحرم اللّه عليهم هذا العمل ، روى البخاري وأبو داود أنه كان إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : جاءت كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانت تحت أبى قيس بن الأسلت فتوفّي عنها فجنح عليها
( ضَيْقٍ ) *
ابنه وقالت له : لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية .
الإيضاح
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً )
أي لا يحل لكم أيها الذين آمنوا باللّه ورسوله أن تسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثا لكم كالأموال والعبيد وتتصرفوا فيهن كما تشاءون ، وهنّ كارهات لذلك ، فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه ، وإن شاء زوجها غيره ، وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج .
( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ )
أي لا يحل لكم إرث النساء ولا التضييق عليهن ومضارتهن ليكرهنكم ويضطرون إلى الافتداء منكم بالمال من ميراث وصداق ونحو ذلك ، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث . أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو كل هذا ، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها .