تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
واتبعت هواها وجعلت حظها من الدين مجموع حركات لسانية وبدنية لا تهذب خلقا ولا تصلح عملا ولا تمنع النفس من التمتع بشهواتها ، وقد اتبع كثير من المسلمين سنن من قبلهم وحذوا حذوهم شبرا بشبر وذراعا بذراع . وبعد أن بين حال من تقبل توبتهم ، ذكر حال أضدادهم الذين لا تقبل منهم التوبة فقال :
( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ )
أي إن سنة اللّه قد مضت بأن التوبة لا تكون للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور الموت ، وصدور ذلك القول منهم ، لأن هؤلاء قد أحاطت بهم خطيئاتهم ولم تدع للأعمال الصالحة مكانا في نفوسهم ، فهم أصروا عليها إلى أنّ حضرهم الموت ويئسوا من الحياة التي يتمتعون بها ، وحينئذ يقول أحدهم : إني تبت الآن وما هو من التائبين بل من المدّعين الكاذبين . والخلاصة - إن التوبة لمثل هؤلاء ليست مقبولة حتما ، فأمرهم مفوض إلى اللّه تعالى وهو العليم بحالهم ، وحديث قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم - المراد منه حصول التوبة النصوح ، بأن يدرك المذنب قبح ما كان قد عمله من السيئات ويندم على مزاولتها ويزول حبه لها بحيث لو عاش لما عاد إليها ، وقلما يحصل مثل هذا الإدراك للمصرّ على السيئات المستأنس بها في عامة أيام الحياة ، وإنما الذي يحصل له إدراك العجز عنها واليأس منها وكراهة ما يتوقعه من قرب العقاب عليها عند الموت .
( وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ )
أي لا تقبل توبة لهؤلاء ولا لهؤلاء ، وقد سوّى اللّه بين الذين سوّفوا توبتهم إلى أن حضر الموت وبين الذين ماتوا على الكفر في أن توبتهم لا تقبل ، فكما أن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين ، كذلك المسوّف إلى حضرة الموت ، فكل منهما جاوز الحد المضروب للتوبة ، إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار .