تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
( 4 ) من يقع في الذنب فيتوب ويستغفر ثم يعرض له مرة أخرى فيعود إليه ثم يلوم نفسه ويندم ويستغفر وهلم جرا ، وهؤلاء أدنى طبقات التوّابين ، والنفس الباقية أرخص عندهم من النفس الفانية ، وهم مع ذلك محل للرجاء ، لأن لهم زاجرا من أنفسهم يذكرهم دائما بالرجوع إلى اللّه عقب كل خطيئة ، وهكذا تكون الحرب سجالا بينهم وبين أنفسهم ؛ فإما أن تنتصر دواعي الخير فتصح توبتهم ، وإما أن تنكسر أمام جند الشهوة فتحيط بهم خطيئتهم ويكونوا من المصرّين الهالكين . وخلاصة المعنى - إن التوبة التي أوجب اللّه على نفسه قبولها بوعده الذي هو أثر كرمه وفضله ، ليست إلا لمن يجترح السيئة بجهالة تلابس نفسه من سورة غضب أو تغلب شهوة ، ثم لا يلبث أن يندم على ما فرط منه وينيب إلى ربه ويتوب ويقلع عن ذنبه .
( فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ )
أي فأولئك الذين فعلوا الذنوب بجهالة وتابوا بعد قريب من الزمن ، يتوب اللّه عليهم ، لأن الذنوب لم ترسخ في نفوسهم ، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون .
( وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً )
وبهذا العلم بشؤون عباده ومعرفة مصالحهم جعل التوبة مقبولة حتما ، لأنه يعلم ضعف عباده وأنهم لا يسلمون من عمل السوء ، فلو لم يشرع لهم التوبة لهلكوا باسترسالهم في المعاصي والسيئات وتعمد اتباع الهوى وخطوات الشيطان لعلمهم أنهم هالكون لا مخالة ؛ فلا فائدة من جهاد النفس وتزكيتها . أما وقد شرع اللّه بحكمته قبول التوبة فقد فتح لهم باب الفضيلة وهداهم إلى محو السيئة بالحسنة ، لكنه لا يقبل إلا التوبة النصوح دون حركات اللسان بالاستغفار والإتيان ببعض المكفرات من الصدقات أو الأذكار مع الإصرار على الذنوب والأوزار ، ومن ثم جمع اللّه في الآية السابقة بين التوبة وإصلاح العمل . وقد فعلت الأمم السالفة مثل هذا فاستثقلت التكاليف ، وفسقت عن أمر ربها