تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
والزمن القريب : هو الوقت الذي تسكن به ثورة الشهوة أو تنكسر به حدة الغضب ويثوب فاعل السيئة إلى حلمه ويرجع إليه دينه وعقله ، إذ من كان قوىّ الإيمان لا تقع منه المعصية إلا عن بادرة غضب أو شهوة هفوة بعد هفوة ، ثم لا يلبث أن يبادر إلى التوبة ومن ثم ذكر اللّه السوء بلفظ الإفراد هنا ، وقال فيمن لا تقبل توبتهم
( يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ )
إشعارا بأن التوبة إنما تقبل ممن تقع منهم الذنوب آحادا ويلمّون بها إلماما ، ولكنهم لا يصرّون عليها بل يبادرون إلى التوبة منها ، فلا تتمكن من أنفسهم ظلمة المعصية ولا تحيط بهم الخطيئة . وما رواه أحمد عن ابن عمر من قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » فالمراد منه أنه لا ينبغي لأحد أن يقنط من رحمة اللّه وييأس من قبول التوبة ما دام حيا ، وليس معناه أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب إذا هو تاب قبل الموت بساعة ، فان هذا مخالف لهدى الدين في مثل قوله :
« وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى )
ولمثل قوله :
« رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ »
. وقد قسموا التوابين طبقات : ( 1 ) من هو سليم الفطرة عظيم الاستعداد للخير ، فهو إذا وقع في خطيئة مرة كان له منها أكبر عبرة ، فيندم بعدها ويحمل نفسه على الفضيلة ويصرفها عن كل رذيلة . ( 2 ) من تكون داعية الشهوة أقوى في نفسه وأرسخ في قلبه ، فإذا أطاع نفسه وارتكب معصية قامت الخواطر الإلهية تحاربه وتوبخه حتى تنتصر عليه وتقهره قهرا تاما فلا يعود بعدها إلى اجتراح إثم ولا وقوع في ذنب . ( 3 ) من تقوى نفسه بالمجاهدة على اجتناب كبار الإثم والفواحش ، لا على صغار الذنوب والآثام وهناك تكون الحرب في نفوسهم سجالا بين ما يلمّون به من الصغائر وبين الخواطر الإلهية التي هي جند الإيمان .