تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
لا يكدرها خوف من وقوع مكروه من أهوالها ، ولا حزن من فوات محبوب من نعيمها
( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ )
النعمة هي الثواب الذي يلقاه العامل جزاء عمله ، والفضل هو التفضل الذي يمنّ اللّه به على عباده الطائعين المخبتين إليه ، والمراد بالمؤمنين الشهداء الذين وصفوا بالأوصاف الآتية بعد . وعبر عنهم يوصف الإيمان للإشارة إلى سموّ مكانته ، ورفعة منزلته وكونه مناط السعادة . وفي ذلك تحريض على الجهاد ، وترغيب في الشهادة ، وحثّ على ازدياد الطاعة وبشرى للمؤمنين بالفوز العظيم . وقد جاءت هذه الجملة كالبيان والتفسير لقوله - لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - لأن من كان في نعمة اللّه وفضله لا يحزن أبدا ، ومن كانت أعماله مشكورة غير مضيعة لا يخاف العاقبة . ثم وصفهم بحسن أفعالهم الموجب لزيادة أجرهم فقال :
( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ )
أي هؤلاء المؤمنون هم الذين أجابوا دعوته ، ولبّوا نداءه ، وأتوا بالعمل على أكمل وجوهه ، واتقوا عاقبة تقصيرهم ، على ما هم عليه من جراح وآلام أصابتهم يوم أحد ، لهم أجر عظيم على ما قاموا به من جليل الأعمال . وفي قوله : منهم إشارة إلى أن من دعوا لبّوا واستجابوا له ظاهرا وباطنا ، ولكن عرض لبعضهم موانع في أنفسهم أو أهليهم فلم يخرجوا ، وخرج الباقون . روى أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد ، فبلغوا الرّوحاء ( موضع بين مكة والمدينة ) ندموا وهمّوا بالرجوع حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة ، فندب أصحابه للخروج في إثر أبي سفيان وقال : لا يخرجنّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس ، فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع جماعة من أصحابه حتى بلغوا حمراء