تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
المدينة في جملة الألف الذين خرج بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم رجعوا من الطريق وهم ثلاثمائة ليخذلوا المسلمين ، ويوقعوا فيهم الفشل . ولا شك أن هذا الجواب منهم يدل على كمال النفاق ، وأنه ما كان غرضهم منه إلا التلبيس والاستهزاء ، إذ ذهاب المشركين وهم مدججون بسلاحهم إلى أحد من أقوى الأمارات على أنهم يريدون قتالا .
( هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ )
أي هم يوم قالوا هذه المقالة
« لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ »
أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان لظهور أماراته ، بانخذالهم عن نصرة المؤمنين ، واعتذارهم لهم على وجه الخديعة والاستهزاء ، فإن الجهاد في سبيل اللّه والدفاع عن الأهل والوطن عند هجوم الأعداء مما يجب على المؤمن ، ولا ينبغي تركه بحال . يرشد إلى ذلك قوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ »
. وإنما قال : إنهم أقرب إلى الكفر ، ولم يقل إنهم كفار - منعا للنبز بالكفر بالعلامات والقرائن ، دون أن يكون هناك كفر صريح ، ومن ثم كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعاملهم معاملة المؤمنين ، حتى إنه صلى على رئيسهم عبد اللّه بن أبىّ صلاة الجنازة بعد بضع سنين من وقعة أحد ، إلى أن فضحهم اللّه بقوله :
« وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ »
. والخلاصة - إنه تعالى كان يعلم أنهم يبطنون الكفر لعملهم عمل الكفار بتركهم الجهاد ، لكنه لم يصرح به ، بل أومأ إليه ، تأديبا لهم عسى أن يتوب على من لم يتمكن الكفر في قلوبهم ، ومنعا للناس من الهجوم على التكفير بالظّنة ووجود الأمارات فحسب .
( يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ )
أي إن ما تقوله ألسنتهم مخالف لما تضمره