تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
يستشيرهم في كل مهمّ ما لم ينزل عليه فيه وحي ، فإنه إذ ذاك لا بد من نفاذه ، ولم يضع للنبي صلى اللّه عليه وسلم قواعد الشورى ، لأنها تختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية ، وبحسب الزمان والمكان ، ولأنه لو وضع لها قواعد لاتخذها المسلمون دينا وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان ، ومن ثم قال الصحابة في اختيار أبى بكر خليفة رضيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لديننا ، إذ أمره بالإمامة في الصلاة حين مرضه أفلا نرضاه لدنيانا ؟ ولكن الخلفاء فيما بعد لم يتبعوا هذه السنة ، ولا سيما زمن الدولة العباسية ، إذ كان للأعاجم سلطان كبير في ملكهم ، ثم جرى على ذلك سائر الملوك من المسلمين فيما بعد ، وجاراهم على ذلك علماء الدين ، حتى ظن كثير من غير المسلمين أن السلطة في الإسلام استبدادية ، وأن الشورى اختيارية ، ولكن هذا بعيد من الصواب ، بعد أن صرح القرآن بالشورى وأمر نبيه بها وهو المعصوم عن الهوى وللشورى فوائد جمة منها : ( 1 ) إنها تبين مقادير العقول والأفهام ، ومقدار الحب والإخلاص للمصالح العامة . ( 2 ) إن عقول الناس متفاوتة وأفكارهم مختلفة ، فربما ظهر لبعضهم من صالح الآراء ما لا يظهر لغيره وإن كان عظيما . ( 3 ) إن الآراء فيها تقلّب على وجوهها ، ويختار الرأي الصائب من بينها . ( 4 ) إنه يظهر فيها اجتماع القلوب على إنجاح المسعى الواحد ، واتفاق القلوب على ذلك مما يعين على حصول المطلوب ، ومن ثم شرعت الاجتماعات في الصلوات ، وكانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة . وعن الحسن رضي اللّه عنه : قد علم اللّه أن ما به إليهم حاجة ، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم » وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه : ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم .
تفسير المراغي — صفحة 114 | أحمد مصطفى المراغي