تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ثم بين الحكمة في الأوامر والنواهي المتقدمة بعد ذكرها ، وتلك سنة القرآن يذكر الأحكام ، ثم يذكر أسرارها وفوائدها لتكون أثبت في النفس ، وأثلج للقلب قال :
( ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا )
أي ذلك الحكم أحرى بإقامة العدل بين المتعاملين ، وأعون على إقامة الشهادة على وجهها . وفي هذا إيماء إلى أن للشاهد أن يطلب وثيقة العقد المكتوب ليتذكر ما كان من الأحوال حين كتابتها وإملائها . وقوله : أدنى ألا ترتابوا ؛ أي إنه أقرب إلى نفى ارتياب بعضكم من بعض ، إذ هذا الاحتياط في كتابة الحقوق والإشهاد عليها ، ومراعاة العدل من المتعاملين والكتّاب والشهداء يدفع الارتياب وما ينشأ منه من مفاسد كالعداوات والمخاصمات - وهذه ميزة ثالثة تؤكد الأخذ بها والاعتماد عليها وجعلها مذكرة للشهود .
( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها )
أي إن الكتابة مطلوبة إلا أن توجد تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطى بأن يأخذ المشترى المبيع والبائع الثمن ، فلا حرج حينئذ في ترك الكتابة ولا إثم في ذلك ، إذ لا يترتب عليه شئ من التنازع والتخاصم . وفي هذا إشارة إلى ما يجب على المرء في ضبط أمواله وإحصاء ما يرد إليه وما يصدر عنه ، وهذا منتهى الرقى المدني ، هدى إليه الإسلام قبل أن يعرفه الغربيون ذوو الحضارة والمدنية بعدة قرون ، ولم يجعل ذلك أمرا محتوما لما فيه من المشقة على غير الأمم ذات التقدم والحضارة .
( وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ )
أي وأشهدوا في التبايع في التجارة الحاضرة ، إذ قد يحصل التنازع والخلاف في بعض العقود الحاضرة بعد تمام العقد ، فاكتفى بالإشهاد . أما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيها بعد موت الشهود ، إذ هي مما يطول زمنها ومن ثم وجبت كتابتها .