تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
( وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ )
بعد أن شرط اللّه في الكاتب العدالة شرط فيه العلم بالأحكام والفقه في كتابة الدين ، إذ الكتابة لا تكون ضمانا تاما إلا إذا كان الكاتب عالما بالأحكام الشرعية والشروط المرعية عرفا وقانونا ، وكان عادلا حسن السيرة ، لا غرض له إلا بيان الحق بلا محاباة . وقدم صفة العدالة على صفة العلم ، لأن العادل يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغي أن يعلمه لكتابة الوثائق ، ولكن من كان عالما غير عادل فالعلم بهذا وحده لا يهديه للعدالة ، وقلما رأينا فسادا من عدل ناقص العلم ، ولكن أكثر الفساد من العلماء الذين فقدوا ملكة العدالة . وفي ذكر هذه الشروط في الكاتب إرشاد من اللّه للمسلمين أن يكون فيهم هذا الصّنف من الكتاب القادرين على كتابة العقود الرسمية ، كما أن في ذكرها إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون الكاتب غير المتعاقدين وإن كانا يحسنان الكتابة خيفة أن يغالط أحدهما الآخر أو يغشّه . وفي التعبير بقوله ( ولا يأب ) رمز إلى أن العالم بما فيه مصلحة الناس ، إذا دعي إلى القيام بعمل وجب عليه أن يلبّى الدعوة ، ومن ثم أمره اللّه بذلك أمرا صريحا فقال : ( فليكتب ) وهذا الأمر بعد النهى عن الإباء كالتأكيد ، لأن الموضوع هامّ لتعلقه بحفظ الحقوق ، ولا سيما لدى الأميين الذين خوطبوا به أولا .
( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ )
أي وليلق على الكاتب ما يكتبه المدين ليكون إملاله حجة عليه تحفظها الكتابة .
( وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ )
أي وليتق الذي عليه الحق اللّه في الإملال ، بأن يذكر ما عليه كاملا ، وفي هذا مبالغة في الحث على التقوى بالتذكير بجلائل النعم والترهيب من العقاب . ثم نهاه أن يبخس من الحق شيئا تأكيدا لهذا فقال :
( وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً )
إذ الإنسان مجبول على دفع الضرر عنه ، وعرضة
تفسير المراغي — صفحة 73 | أحمد مصطفى المراغي