فيختلط عقله ، ويقولون رجل ممسوس : أي مسه الجن ، ورجل مجنون : إذا ضربته الجن ، ولهم في ذلك قصص وأخبار وعجائب ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المحسوسات .
فجاءت الآية وفق ما يعتقدون ، ولا تفيد صحة هذا ولا نفيه ، كما جاء قوله تعالى في وصف ثمر شجرة الزقوم التي تكون يوم القيامة في النار « طلعها كأنّه رؤوس الشّياطين » وما رأى أحد رؤوس الشياطين ، لكنها جاءت بحسب ما يتخيلون ويزعمون .
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا )
أي ذلك الأكل للربا مرتب على استحلالهم له وجعله كالبيع ، فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما بأجل ، يجوز أن يعطى المحتاج عشرة دراهم على أن يردّ عليه بعد سنة عشرين درهما ، والسبب في كل من الزيادتين واحد وهو الأجل .
تلك حجتهم وهم واهمون فيما قالوا ، فقياسهم فاسد ، ومن ثم قال :
« وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »
.
إذ في البيع ما يقتضى حله ، وفي الربا من المفسدة ما يقتضى تحريمه - ذاك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشترى بالسلعة انتفاعا حقيقيا ، فمن يشترى قمحا فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره في الأرض أو ليبيعه ، والثمن مقابل للمبيع مقابلة مرضية للبائع والمشترى باختيارهما ، أما الربا فهو إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر ، فما يؤخذ من المدين زيادة في رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل ، ولا يؤخذ بالرضا والاختيار بل بالكره والاضطرار .
( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ )
أي فمن بلغه تحريم اللّه للربا ونهيه عنه فتركه فورا بلا تراخ ولا تردد اتباعا لنهى اللّه - فله ما كان أخذه فيما سلف من الربا لا يكلف رده إلى من أخذه منهم ، ويكتفى منه بألا يأخذ ربا بعد ذلك .