تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
في تدرج حكيم يتنقل من الإباحة التامة رويدا رويدا إلى الحظر الكلى ، مارّا بكل المراتب المتوسطة بينهما ا ه ببعض تصرف .

الإيضاح

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ )
يقال لمن يتصرف في شئ من مال غيره ، أكله وهضمه أي إنه تصرف فيه تمام التصرف ، فلا سبيل إلى رده كما لا سبيل إلى رد المأكول . والمراد أن حال المرابين في الدنيا كالمتخبطين في أعمالهم بسبب الصرع والجنون ، إذ أنهم لما فتنوا بحب المال واستعبدتهم زينته ، ضربت نفوسهم بجمعه ، وجعلوه مقصودا لذاته ، وتركوا لأجله جميع موارد الكسب الأخرى ، فخرجت نفوسهم عن حدّ الاعتدال الذي عليه أكثر الناس ، وترى أكثر ذلك ظاهرا في حركاتهم وتقلبهم في أعمالهم ؛ فالمولعون بأعمال ( البورصة ) والمغرمون بالقمار يزداد فيهم النشاط والانهماك في الأعمال ، وترى فيهم خفة تعقبها حركات غير منتظمة . والعرب تقول لمن يسرع ويأتي بحركات مختلفة على غير نظام قد جنّ . وجمهور المفسرين على أن المراد بالقيام القيام من القبور حين البعث ، وأن اللّه جعل من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود . و روى الطبراني حديث عوف بن مالك مرفوعا : « إياك والذنوب التي لا تغفر ، الغلول - الخيانة في مغنم وغيره - فمن غلّ شيئا أتي به يوم القيامة ، والربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط » . وتخبط الشيطان للإنسان من زعمات العرب ، إذ يزعمون أنه يخبط الإنسان فيصرع ، فورد القرآن على ما يعتقدون ، وكذلك يعتقدون أن الجنى يمسّ الإنسان
تفسير المراغي — صفحة 63 | أحمد مصطفى المراغي