تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وقد أثر عن السلف الصالح أنهم كانوا إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه تعالى . روى البخاري ومسلم عن أنس رضى اللّه عنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار نخلا بالمدينة ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ( موضع ) وكانت مستقبلة المسجد ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء طيب فيها ، فلما نزلت
( لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ )
قال أبو طلحة يا رسول اللّه : إن أحبّ أموالي إلىّ بيرحاء . وإنها صدقة للّه تعالى أرجو برّها وذخرها عند اللّه تعالى ، فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه تعالى ، فقال عليه السلام : بخ بخ ( كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء ) ذاك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أفعل يا رسول اللّه ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبنى عمه . وفي رواية لمسلم : فجعلها بين حسان ابن ثابت وأبيّ بن كعب . و أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال : لما نزلت هذه الآية جاء زيد ابن حارثة بفرس يقال لها سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال هي صدقة ، فقبلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحمل عليها ابنه أسامة ، فكأن زيدا وجد في نفسه ( حزن ) فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك منه قال : أما إن اللّه قد قبلها . فهذا الأثر وما قبله دلائل واضحات على حسن السياسة الدينية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعرفة ما يختلج في القلوب ، فقد رأى أن أبا طلحة وزيدا قد خرجا عن أحب أموالهما إليهما بعاطفة الدين ، فجعل ذلك في الأقربين ليثبّت قلوبهما ويكمل إيمانهما ، ولا يجعل للشيطان سبيلا ينفذ به إلى ما بين الجوانح فيندمان إذا هما رأيا أموالهما في أيدي الغرباء ، إذ كثيرا ما يفارق المرء شيئا محبوبا لديه باختياره لعاطفة الدين ، أو للجود به على غيره ، ثم لا يلبث إلا قليلا حتى يعاوده الحنين إليه ، ومن ثمّ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأمر عمّال الصدقة باتقاء كرائم الأموال ، والبعد عنها حين جباية الصدقات . وهناك من الشواهد ما يدل على هذا أيضا ، فقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عمر