تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وما قبلها إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن اللّه غفور رحيم ، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ، لأن نفوسهم قد توغل فيها الشرك ، وتمكن فيها الكفر وأحاطت بها خطيئتها وضلت على علم ، فإذا أرادت التوبة وجدت ما يحول بينها وبين قبول الحق والخير إلا إذا أحست النفس بألم الذنب ، فيحملها ذلك على تركه ومحو أثره المدنس لها بعمل صالح يحدث فيها أثرا مضادّا للأثر الأول . وبهذا تؤهل صاحبها للمغفرة وترك العقوبة على الذنب ، إذ تكون النفس قد زكت وطهرت من الأدناس كما قال تعالى :
« قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها »
. وما مثل ذلك إلا مثل الثوب الأبيض تصيبه بعض الأوساخ ، فيبادر صاحبه إلى غسله ، فينظف ويزول أثر ذلك الدنس ولكن إذا تراكمت عليه الأقذار مدة طويلة حتى تخللت جميع خيوطه ، وتمكنت منها تعذر تنظيفه وإعادته إلى حاله الأولى وبين هذه الحال وما قبلها مراتب متفاوتة . وقد أشير إلى ذلك بقوله تعالى :
« إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
( وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ )
أي إن هؤلاء المتقبلين في الكفر هم المتمكنون من الضلال المخطئون سبيل الحق والنجاة لا ترجى لهم هداية ، ولا تقبل منهم توبة .
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً )
ملء الشيء ( بالكسر ) مقدار ما يملؤه ، أي إن هؤلاء الذين يقيمون على الكفر ويعملون أعمال الكفار حتى يدركهم الموت على هذه الحال - فلن يقبل من أحدهم