تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
ملء الأرض ذهبا إذا كان قد تصدق به في دنياه ، ولا يفيد ذلك في نجاته من عذاب النار ، لأن الكفر يحبط أعماله ويمحو كل حسناته ، فمن لم ترك نفسه في الدنيا وقسم عما يكدرها من ظلمات الكفر وأوضار الشرك - فلن ينفعها يوم مناقشة الحساب عمل وإن جلّ ، ولا فضيلة وإن عظمت ، إذ المعول عليه في ذلك اليوم هو الإيمان الصحيح باللّه واليوم الآخر ، والعمل الصالح الذي يرقى بصاحبه إلى حظيرة القدس في جوار الرب الرّحيم .
( وَلَوِ افْتَدى بِهِ )
أي ولو افتدى به في الآخرة لا يقبل منه أيضا على تقدير أنه يملكه ، ويريد أن يجعله وسيلة النجاة والمنقذ من العذاب ، كما يعطى الناس الرّشا للحكام الظالمين ليزيلوا عنهم ما قد يحلّ بهم من العذاب . ونحو الآية قوله تعالى :
« فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »
ذاك أن النجاة في هذا اليوم لا تكون مما يبذل ، ولا بجاه ينفع ، بل جعل أمرها موقوفا على صفاء النفس واستعدادها ، فمن زكّاها بالإيمان مع العمل الصالح فقد أفلج ، ومن دسّاها بالكفر وسبى الأعمال فقد خاب وخسر . وصفوة القول - إنه لا طريق للافتداء على أىّ حال لو أريد ويرى بعض المفسرين أن الكلام من قبيل التمثيل ، إذ لا حاجة إلى الذهب ولا إلى إنفاقه ، إذ الأشقياء لا نصير لهم ينفق عليهم ، والأولياء في عنى يفضل اللّه ورحمته عمن ينفق عليهم .
( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ )
يدفعون العذاب عنهم أو يخففونه كما كانوا ينصرونهم في الدنيا إذا حاول أحد أذاهم أو إيقاع المكروه بهم .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 92 ]

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 92 )