تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
بقراءته فيميلونها عن المنزّل إلى المحرّف لتظنوا أيها المسلمون أن ذلك المحرف من كلام اللّه وتنزيله وما هو من عند اللّه ، ولكنه من عند أنفسهم . وقد جاء في كتب السيرة والحديث أن اليهود كانوا إذا سلموا على النبي صلى اللّه عليه وسلم يمضغون كلمة ( السلام ) فيخفون اللام ، ويقولون ( السام عليكم ) غير مفصحين بالكلمة لأنهم يريدون معنى السام وهو الموت . وجاء في سورة النساء قوله تعالى :
« مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ »
فهؤلاء وضعوا ( غير مسمع ) مكان ( لا أسمعت مكروها ) التي تقال عادة عند الدعاء ( وراعنا ) مكان ( انظرنا ) التي يقولها الناس لمن ينتظرون معونته ومساعدته . وإنما قالوا ( غير مسمع ) لأنها قد تستعمل في الدعاء على المخاطب بمعنى لا سمعت وقالوا ( راعنا ) لأن هذه الكلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابّون بها . ثم أكد ما سبق بقوله :
( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
أي إنهم كاذبون فيما يقولون ، وفي هذا تشنيع عليهم بأن الجرأة قد بلغت بهم حدا عظيما ، فهم لم يكتفوا بالتعريض والتورية بل يصرحون بنسبته إلى اللّه كذبا لعدم خوفهم منه ، واعتقادهم أنه يغفر لهم جميع ما يجترحون من الذنوب لأنهم من أهل ذلك الدين . وليس ذلك بالغريب عليهم ، فإنا نرى كثيرا من المسلمين اليوم يعتقدون أن المسلم من أهل الجنة حتما مهما أصاب من الذنوب ، لأنه إن لم تدركه الشفاعة أدركته المغفرة ، ويجلى اعتقادهم ذلك قولهم ( أمة محمد بخير ) . فالمسلم في نظرهم من اتخذ الإسلام دينا ، وإن لم يعمل بما جاء في كتاب اللّه وسنة رسوله من صفات المسلمين الصادقين ، بل فعل فعل الكافرين والمنافقين .