أردف ذلك ذكر حال طائفة أخرى منهم تخون الأمانات ، وتستحلّ أكل أموال الناس بالباطل ، تأويلا للكتاب وغرورا في الدين .
الإيضاح
( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً )
أي ومن أهل الكتاب طائفة تشاكس المسلمين وتكيد لهم ليرجعوا عن دينهم ، ومنهم طائفة أخرى تستحل أكل أموالهم وأموال غيرهم زعما منهم أن الكتاب لم ينههم إلا عن خيانة إخوتهم من بني إسرائيل .
والخلاصة - إن أهل الكتاب طائفتان :
( 1 ) طائفة تؤمن على الكثير والقليل كعبد اللّه بن سلام استودعه قرشىّ ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه .
( 2 ) طائفة أخرى تخون الأمانة ، فلو استودعتها القليل جحدته ولا تؤديه إليك إلا إذا أدمت الوقوف على رأسها ملحّا في المطالبة أو لاجئا إلى التقاضي والمحاكمة .
ومن هؤلاء كعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده .
ثم بين السبب في فعلهم هذا فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ )
أي إن ذلك الترك لأداء الأمانة من قبل أنهم زعموا أنه لا تبعة ولا ذم في أكل أموال العرب .
وخلاصة هذا - إن كل من ليس من شعب اللّه المختار وليس من أهل دينهم فلا يأبه اللّه له ، بل هو مبغض عنده محتقر لديه فلا حقوق له ولا حرمة لماله ، فكل ما يستطاع أخذه منه فلا ضير فيه ، ولا شك أن هذا من الصلف والغرور والغلوّ في الدين واحتقار المخالف الذي يستتبع اهتضام حقوقه .
روى ابن جرير أن جماعة من المسلمين باعوا لليهود بعض سلع لهم في الجاهلية ، فلما أسلموا تقاضوهم الثمن فقالوا : ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا ، لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم .