تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وليس بالغريب منهم أن يلجئوا إلى مثل هذه الحيلة ، إذ هم يعلمون أن من علامة الحق ألا يرجع عنه من يعرفه ، يرشد إلى هذا قول هرقل صاحب الروم لأبي سفيان حين سأله عن شؤون محمد صلى اللّه عليه وسلم عندما دعاه إلى الإسلام : هل يرجع عنه من دخل في دينه ؟ فقال أبو سفيان ( لا ) . وقد حذر اللّه نبيه مكر هؤلاء ، وأطلعه على سرهم حتى لا تؤثر هذه الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين ، ولأنهم إذا افتضحوا فيها لا يقدمون على أمثالها ، ويكون ذلك وازعا لهم . وفي هذا إنباء بالغيب فيكون معجزة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم .
( وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ )
هذا من كلام اليهود الذين حصروا الثقة في أنفسهم زعما منهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم ، بل لقد تغالوا وحقّروا جميع الطوائف ، وجعلوا أن كل ما يصدر منهم حسن ، وما يصدر من سواهم قبيح . وخلاصة المعنى ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر الذي أتيتم به وجه النهار إلا لمن كان تابعا لدينكم أوّلا ، وهم الذين أسلموا منهم ، ومقصدهم من ذلك رجوعهم عن إسلامهم لأنهم كانوا راغبين فيه جد الرغبة طامعين فيه ، فلهم من إسلامهم حنق وغيظ عظيم .
( قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ )
أي ليس الهدى مقصورا على شعب معين أو واحد بذاته ، بل اللّه سبحانه يهدى من يشاء من عباده على لسان من يريد من أنبيائه ، ومن يهد اللّه فلا مضلّ له ، فكيدهم لا يضير من أراد اللّه به الخير ، بل يحبط تدبيرهم له .
( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ )
هذا من كلام اليهود ، وجملة
( قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ )
اعتراضية بينه وبين ما سبقه . والمعنى - لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم .
تفسير المراغي — صفحة 186 | أحمد مصطفى المراغي