تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أما الاختراع فإنه اكتشاف لناموس إلهي ( طبيعي ) ولذلك هو يتكرر دائما في الظروف نفسها على يد كل إنسان ، انتهى كلامه بتصرف .
( وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ )
أي وأخبركم بما تأكلونه من أنواع المآكل ، وما تخبئونه للغد في بيوتكم ، وقد كان يخبر الرجل بما أكل ، وبما سيأكل . والفرق بين إخباره بالغيوب ، وإخبار المتنجمة والمتكهنة التي كثيرا ما تخبر بالشيء وتصيب ، أن المتنجم والمتكهن إنما ينبئ عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه ، ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات اللّه عليه ، ومن سائر أنبيائه ورسله ، بل كان عيسى يخبر به عن غير استخراج ولا طلب لمعرفته باحتيال ، ولكن بإعلام اللّه ابتداء من غير أصل تقدم ذلك احتذاه أو بنى عليه ، أو فزع إليه كما يفزع المتنجم إلى حسابه ، والمتكهن إلى رئيّه ، فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها ، وبين علم سائر المتكذبة على اللّه ، أو المدّعية علم ذلك .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي إن في ذلك لحجة على صدق رسالتي ، وموضعا للعبرة تتفكرون فيه فتعتبرون به أنى محق في قولي لكم إني رسول من ربكم إليكم ، وتعلمون به أنى فيما أدعوكم إليه من أمر اللّه ونهيه صادق ، إن كنتم مصدّقين حجج اللّه وآياته ، مقرين بتوحيده وبنبيه موسى وبالتوراة التي جاءكم بها .
( وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )
أي وجئتكم مصدقا لما بين يدىّ من التوراة لا ناسخا لها ولا مخالفا شيئا من أحكامها إلا ما خفف اللّه عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددا عليهم فيها ، وهو الذي ذكره بقوله :
( وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ )
أي بعض الطيبات التي كانت حرمت على بني إسرائيل بظلمهم وكثرة سؤالهم ، فأحلها عيسى كما قال تعالى :
« فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ »
قالوا ومن ذلك السمك ولحوم الإبل والشحوم والعمل يوم السبت .
تفسير المراغي — صفحة 164 | أحمد مصطفى المراغي