بين الاثنين ظاهر ، والقرق بين المخترع وصانع المعجزة مثل الفرق بين الحاوي والمخترع .
والطبيب الذي يعيد للقلب ضرباته ليس كمن يحيي الموتى لأنه استعان بالسنن الطبيعية ، وأما إحياء الموتى فهو خرق لهذه السنن .
ويتساءل كثير من الناس هل المعجزات ضرورية ؟ والجواب أنها ضرورية لإيمان الإنسان بقدرة اللّه ، ولولاها لساد مذهب الطبيعيين ، لأن سنن اللّه لا تتغير أبدا وهذا ما يسمى ( بالطبيعة ) وثبات هذه القوانين ما ظهر منها وما خفى للآن شئ مدهش ، حتى إن الإنسان قد ينسى واضع هذه القوانين ، ويقول ما الحاجة بي لأن أقول إن هناك صانعا أزليا ما دامت هذه القواعد ثابتة على وتيرة واحدة ملايين السنين ؟
وهنا كانت حكمة اللّه في أن يخرق هذه السنن ليظهر للناس أن الصانع الأول موجود .
ومثل ذلك مثل آلة الميزان تزن الإنسان إذا وقف عليها ووضع قطعة معدنية في ثقب فيها ، فتخرج ورقة عليها رقم وزنه ، فإذا فرضنا أنها محكمة الصنع لا تتغير أبدا آلاف السنين ، فإن الإنسان يشك في صانعها الأول ، ولكنه إن رأى أنها قد تخرج ورقة الوزن بدون أن يقف عليها أحد ، وبدون وضع القطعة المعدنية فيها يقول من يفعل ذلك ربما أمكنه صنعها ، وإذا رأى يوما أن قطعة معدن صغيرة أصبحت أمام عينيه آلة صغيرة تزن الأشخاص ، أيقن أن للأولى صانعا ، وهذا هو معنى صنع الطير من الطين لأن هذا تمثيل لخلق سيدنا آدم الذي منه خلق العالم الإنسانى كله بالسنن ( الطبيعية ) الإلهية التي لا تبديل فيها .
وصفوة القول - أن أساس المعجزة وعظمتها ليس في نتائجها وغرابتها ، فالدهشة من سماع الأبكم يتكلم ربما كانت أقل من سماع الراديو لأول وهلة ، ولكن أهمية المعجزة في طريق صنعها بدون السنن العادية ، وهي لذلك لا تتكرر أبدا إلا بإذن اللّه ؛ لأن الإنسان لا يعرف قاعدتها ، ولا يدرك طريقة صنعها .
تفسير المراغي — صفحة 163
مساهمون: أحمد مصطفى المراغي
ص١٦٣