تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وهذا الأمر يسمى أمر تكوين ، وهناك أمر آخر هو أمر تكليف يعرف بوحي اللّه لأنبيائه والجاحدون لآيات اللّه ينكرون الحمل بعيسى من غير أب ، وقوفا عند العادة ، وذهولا عن كيفية بدء العالم ، ولكن ليس لهم دليل عقلي ينبئ بالاستحالة ، وإنا لنشاهد كل يوم حدوث شئ في الكون لم يكن معتادا من قبل ، بعضه له أسباب معروفة فيسمونه استكشافا أو اختراعا ، وبعضه ليس بمعروف له سبب ويسمونه فلتات الطبيعة . والمؤمنون يقولون إن مثل هذا الذي جاء على غير الأسباب المعروفة يجب أن يهدى العاقل إلى أن الأسباب ليست واجبة وجوبا عقليا مطردا . وإن أبناء الجيل الحاضر الذين رأوا من الغرائب ما لو رآه السابقون لعدّوه سحرا أو خرافة أو أضافوه إلى الجن - ليس لهم عذر في إنكار الأشياء التي لم يعرفوا لها أسبابا ، وقد قرر فلاسفة العصر إمكان توالد الحيوان من غير حيوان ، إذا فتوالد الحيوان من حيوان واحد أقرب إلى العقول وأدنى إلى الإمكان .
( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ )
أي ويعلمه الكتابة والخط ، والعلم الصحيح الباعث للإرادة إلى الأعمال النافعة ويفقّهه في التوراة ، ويعلمه أسرار أحكامها ، وقد كان المسيح عليما بها يرشد قومه إلى أسرارها ومغازيها ، وكذلك يعلمه الإنجيل الذي أوحى به إليه .
( وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ )
أي ويرسله رسولا إلى بني إسرائيل ، روى أن الوحي أتاه وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين ثم رفع إلى السماء .
( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )
أي يرسله محتجا على صدق رسالته قائلا « أنى قد جئتكم بآية من ربكم » ثم فسرها بقوله :
( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ )
أي أنى أصور لكم من الطين صورة على مقدار معين كصورة الطير فأنفخ فيها فتكون طيرا