المفترون عليها ، وحجة على نبوته وبالغا كبيرا بعد أن يرسله اللّه وينزل عليه وحيه ، وأمره ونهيه .
( وَمِنَ الصَّالِحِينَ )
أي ومعدودا من الصالحين الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين الذين تعرف مريم سيرتهم .
( قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ )
أي قالت : كيف يكون لي ولد وليس لي زوج ؟ وقد يكون مرادها أيحدث ذلك بزواج أم يحصل بقدرتك ؟ وقد يكون قصدها التعجب من قدرة اللّه واستعظام شأنه .
( قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ )
أي مثل هذا الخلق العجيب والإحداث البديع وهو خلق الولد بغير أب - يخلق اللّه ما يشاء .
ولاختلاف القصتين قصة مريم وزكريا في الغرابة عبر في الأولى بيفعل ، وفي الثانية بيخلق ، إذ العادة قد جرت بأن الفعل يستعمل كثيرا في كل ما يحدث على النواميس المعروفة والأسباب الكونية المألوفة ، والخلق يقال فيما فيه إبداع واختراع ولو بغير ما يعرف من الأسباب ، فيقال خلق اللّه السماوات والأرض ، ولا يقال فعل اللّه السماوات والأرض .
وإيجاد يحيى بين زوجين كإيجاد سائر الناس فعبر عنه بالفعل ، وإن كان فيه آية لزكريا من جهة أن هذين الزوجين لا يولد لمثلهما في العادة - أما إيجاد عيسى فهو على غير المعهود في التوالد بل بمحض القدرة ، فالتعبير عنه بالخلق أليق .
( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )
أي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون من غير ريث ولا إبطاء .
وهذا تمثيل لكمال قدرته ، ونفوذ مشيئته ، وتصوير سرعة حصول ما يريد بلا إبطاء بصورة آمر مطاع لمأمور قادر على العمل مطيع ، يفعل ما يطلب منه على الفور .