تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
والمعروف لديهم أن أنبياءهم السالفين بشروهم بمسيح يظهر فيهم ، وأنه ملك يعيد إليهم ما فقدوا من السلطان في الأرض ، فحين ظهر عيسى وسمى بالمسيح آمن به قوم وقالوا إنه هو الذي بشر به الأنبياء ، واليهود يعتقدون أن البشارة لما يأت تأويلها بعد . وإنما قيل ابن مريم مع كون الخطاب لها إشارة إلى أنه ينسب إليها ، إذ ليس له أب .
( وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )
فوجاهته في الدنيا لماله من المكانة في القلوب والاحترام في النفوس ، فمنزلته في نفوس المؤمنين به لا تعدلها منزلة أخرى ، وما جاء به من الإصلاح قد بقي أثره بعد ، وهذه الوجاهة أجل شأنا من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون لدفع أذاهم واتقاء شرهم ، أو لمداهنتهم والتزلف إليهم رجاء شئ مما في أيديهم من متاع الحياة ، وهذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغضاء . ووجاهته في الآخرة بكونه ذا مكانة عليّة ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها ويعلمون قربه من ربه
( وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ )
عند اللّه يوم القيامة ، فالناظر إليه حينئذ يعتقد ما له من القرب والزلفى عنده .
( وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا )
أي إنه يكلم الناس حال الطفولة وحال الكهولة وفي هذا بشارة بأنه يعيش حتى يكون رجلا سويا ، قال ابن عباس : كان كلامه في المهد لحظة بما قصه اللّه علينا ، ثم لم يتكلم حتى بلغ أوان الكلام . والنصارى تزعم أنه عليه السلام لم يتكلم في المهد ، ولم ينطق ببراءة أمه صغيرا ، وعاش ثلاثين سنة ، واليهود تقذف أمه بيوسف النجار . والخلاصة - إنه يكلم الناس طفلا في المهد دلالة على براءة أمه مما قذفها به