فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أىّ دين أنت يا محمد ؟ قال على ملة إبراهيم ودينه ، قالا فإن إبراهيم كان يهوديا ، فقال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
فهلمّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ، فأنزل اللّه الآية .
الإيضاح
( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ )
أي ألم تر إلى هؤلاء الذين تستحق أن تعجب لهم من اليهود - كيف يعرضون عن العمل بالكتاب الذي يؤمنون به إذا لم يوافق أهواءهم ؟
( وهذا دأب أرباب الديانات في طور انحلالها واضمحلالها ) .
وقد كانوا يتحاكمون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهم ماضو العزيمة على قبول حكمه حتى إذا جاء على غير ما أحبوا خالفوه ونكصوا على أعقابهم ، فقد زنى بعض أشرافهم وحكّموه فحكم بينهم بمثل حكم كتابهم فتولّوا وأعرضوا عن قبول حكمه ، إذ هم إنما فزعوا إليه ليخفف عنهم .
وقوله نصيبا من الكتاب هو ما يحفظونه من الكتاب الذي أوحاه اللّه إليهم وقد فقدوا سائره ، وهم لا يحسنون فهمه ولا يلتزمون العمل به .
فهذه الكتب الخمسة التي تسمى بالتوراة وتنسب إلى موسى عليه السلام ، لا يوجد دليل على أنه هو الذي كتبها ، إذ ليست محفوظة حتى يمكن الحكم عليها ، بل قام الدليل لدى بعض الباحثين من الأوربيين على أنها كتبت بعده بخمسمائة سنة ، كما لا تعرف اللغة التي كتبت بها أول مرة ، ولا دليل على أن موسى كان يعرف اللغة العبرية ، وإنما كانت لغته المصرية ، فأين التوراة التي كتبها بتلك اللغة ، ومن ترجمها ؟
( ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ )
أي إنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تتولى طائفة منهم بعد تردد وجذب ودفع ، وقد كان من دواعي الإيمان به ألا يترددوا في إجابة الدعوة إليه ، إذ هو أصل دينهم ، وعليه بنيت عقيدتهم .