تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
والخلق الأول ؛ فالطبيب يعرف كيف يولد الحيوان والأطوار التي يتدرج فيها منذ كان نطفة إلى أن صار إنسانا عاقلا ؛ والنباتي يعرف ما تكوّن منه النبات ، وكيف ينمو ويتغذى ، ولكنّ كلا منهما عاجز أن يعرف كيف وجدت أنواع الحيوان والنبات ، ولا مادتهما أول مرة ، فالإيجاد والخلق لا يمكن اكتناههما ، كما لا يمكن اكتناه ذات اللّه تعالى وصفاته . ( 3 ) ما يتيسر للناس معرفته بالنظر والاستدلال والتجربة والبحث كالعلوم الطبيعية والرياضية والزراعية والهيئة الفلكية كأسباب أطوار الهلال وتنقله من حال إلى حال وهو ما أشار إليه سبحانه بقوله :
« وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ »
. ومثل هذا ينبغي ألا يطالب الأنبياء ببيانه ، لأن ذلك جهل بوظيفتهم ، وإهمال للقوى والمواهب التي وهبها اللّه تعالى للإنسان ليصل بها إلى ذلك ، وإلا وجب حينئذ أن يتلقّى كل شئ بالتسليم ، كما يجب أن يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم أفرادها ما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم ، وإن كان الأنبياء ينبهون الناس إجمالا إلى استعمال الحواس والعقول فيما يزيد منافعهم ويرقى إدراكهم وشعورهم ، يرشد إلى ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم في واقعة تأبير النخل « أنتم أعلم بأمور دنياكم » و من حديث ذلك أنه عليه الصلاة والسلام نهي أهل المدينة عن تأبير نخلهم : أي وضع طلع الذكر عليه فلم ينتج ثمرا جيدا ، فرجعوا إليه فقال لهم هذه المقالة . والتاريخ الذي سيق في القرآن لم يذكر على أنه قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها ، بل سيق للعبر تتجلى في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم بيانا لسنة اللّه فيهم ، وإنذارا للكافرين بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتثبيتا لقلوب المؤمنين كما قال تعالى :
« لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ »
وما يروى في التوراة من التاريخ المفصل من ذكر خلق آدم وما بعده ، فهو مما ألحق بالتوراة بعد موسى بقرون .
تفسير المراغي — صفحة 85 | أحمد مصطفى المراغي