تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
( 4 ) ما يجب علينا للخالق الذي هدى عقولنا إلى الإيمان بآياته التي نراها في الآفاق وفي أنفسنا ، لكن هذه الهداية مبهمة تحتاج إلى التحديد من حيث معرفة ما يجب اعتقاده في اللّه تعالى وفي حكمة خلقنا ، وما يتبع ذلك من وجوب الشكر والعبادة له ، ومعرفة مصيرنا وحال الحياة الأخرى . ومثل هذا لا سبيل إلى معرفته بطريق الكسب البشري ، وكثيرا ما وقعت الأمم في الخطأ والحيرة في فهم مسائله لجهلهم بالصلة بين الخالق والمخلوق ؛ فمنهم من توهم أن الحياة الأخرى تكون بهذه الأجساد ، والجزاء فيها يكون بهذا المتاع ، ومن ثمّ اخترعوا الأدوية لحفظ أجسادهم ومتاعهم كالمصريين في عهد الفراعنة . لهذا كان الإنسان محتاجا إلى هاد يخبر عن اللّه تعالى لنأخذ عنه بالإيمان والتسليم ما لا يصل الحسّ والوجدان والعقل إلى إدراكه . ( 5 ) ما يستطيع العقل البشرى أن يصل إلى إدراك فائدته ، لكنه عرضة للخطإ فيه ، لما يعرض له من الشهوات والأهواء التي تلقى الغشاوة على البصائر والأبصار ، فتحول بينه وبين الوصول إلى الحقيقة ، أو تلبس الحقّ بالباطل أو تشبه النافع بالضار ، فالخمر والحشيش يعلم الإنسان مضرتهما ، لكن الشهوة تحجب ذلك عنه فيشربهما ، ويؤثر حكم لذته في حكم عقله الذي ينهاه عن كل ضار ، ومن ثمّ احتاج في هذا إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى ، ويكبح جماح الشهوات ليكون على هدى وبينة من أمره . ولما ذكر مواقيت الحج ذكر ما كان من أفعالهم فيه قال :
( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها )
هذا إبطال لما كانوا يفعلونه في الجاهلية إذا هم أحرموا من إتيان البيت من ظهره وتحريم دخوله من بابه ، روى البخاري وابن جرير عن البراء قال : كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره ، فأنزل اللّه الآية . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن جابر قال : كانت قريش تدعى الحمس ( جمع أحمس من الحماسة ، وهي الشدة والصلابة لتشددهم في دينهم ) وكانوا يدخلون البيوت