تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وللمشرك أنداد متعددون ، وأرباب متفرقون ، فإذا حزبه أمر ، أو نزل به ضرّ لجأ إلى بشر أو صخر ، أو توسل بحيوان أو قبر ؟ أو استشفع بزيد أو عمرو ، لا يدرى أيهم يسمع ويسمع ، ويشفع فيشفّع ، فهو دائما مبلبل البال ، لا يستقر من القلق على حال . وقد عظمت فتنة متخذى الأنداد بهم ، حتى كان حبهم إياهم من نوع حبهم للّه ، إذ أنهم لا يرجون منه شيئا إلا وقد جعلوا لأندادهم مثله ، فهم يلتجئون إليهم عند الحاجة كما يلتجئون إلى الخالق سبحانه . وليس من اتخاذ الأنداد طلب المسببات من أسبابها ، وقد تخفى علينا أحيانا ويعمى علينا طريق معرفتها ، فعلينا بإرشاد الدين والفطرة أن نلجأ إلى اللّه ، لعله برحمته يلهمنا إلى طريقها ، مع بذل الجهد والطاقة في العمل بما نستطيع من الأسباب ، حتى لا يبقى في الإمكان شيء بعد ذلك . فالدين يحظر علينا أن ننفر إلى الحرب والدفاع عن الأوطان ونحن عزل أو حاملو سلاح دون سلاح العدو المعتدى اتكالا على اللّه واعتمادا على أن النصر بيده ، بل يأمرنا بإعداد العدة ، ثم الاتكال بعد ذلك في الهجوم والإقدام على عناية اللّه ، فمن قصر في اتخاذ الأسباب اعتمادا على اللّه فهو جاهل باللّه ، كما أن من التجأ إلى ما ليس بسبب كإنسان مكرّم أو ملك مقرّب ، أو ما دون ذلك كصنم أو تمثال فهو مشرك باللّه ولا يرغب عن الأسباب إلى التعلق بالأنداد والشفعاء إلا من كان قليل الثقة بالسبب ، أو طالبا ما هو أعجل منه ، كالمريض يعالجه الأطباء فيتراءى لأحد أقار به أن يلجأ إلى من يعتقد تأثيرهم في السلطة الغيبية طلبا للتعجيل بالشفاء .
( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )
من كل ما سواه ؛ إذ حبهم له خاص به لا يشركون فيه غيره ، إذ هم يعتقدون أن ملكوت السماوات والأرض بيده ، وهو الذي له القدرة والسلطان على جميع الأكوان ، فما ينالهم من خير كسبى فهو بهدايته وتوفيقه ،