تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
5 -
( وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ )
وقد وصف اللّه تعالى في آية آخري كيف ينزل المطر قال :
« اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ »
وهذا الوصف الموجز هو ما بينه العلماء بقولهم : إن المطر يتوالد من تصاعد بخار الماء بوساطة حرارة الهواء التي تنشأ في مياه البحار من احتكاك بعض ذراتها ببعض ، ومن احتكاك الهواء بسطح البحر ، وحين تصعد في الجو تتكاثف وتتكون سحبا يسقط الماء من خلالها وينزل إلى الأرض لثقله .
( فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ )
أي وبهذا الماء تحدث حياة الأرض بالنبات ، وبه أمكن معيشة الحيوان على سطحها ، وهذا هو الإحياء الأول الذي أشير إليه بقوله في آية أخرى
« أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
أي ان السماوات والأرض كانتا مادة واحدة متصلا بعض أجزائها ببعض ففتقناهما فانفصل جرم الأرض من جرم السماء وصارت الأرض قطعة مستقلة ملتهبة وكانت مادة الماء ( الأوكسجين والإيدروجين ) تبخر من الأرض فتلاقى في الجو طبقة باردة تحيلها سحابا فتنزل على الأرض فتبرد حرارتها ، وما زالت هذه حالها حتى صارت كلها ماء ، وتكونت بعد ذلك الأرض اليابسة وحرج النبات وعاش الحيوان . وأما الإحياء المستمر المشاهد في جميع بقاع الأرض فهو المشار إليه بقوله :
« وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ »
فكل أرض لا ينزل عليها المطر ولا تجرى فيها المياه من الأرضين الممطورة تكون خالية من النبات والحيوان . فنزول الماء على هذا النحو المشاهد ، وكونه سببا في حياة الحيوان والنبات من أعظم الأدلة على وحدانية المبدع ، ومن جهة ما للخلق فيه من المنافع يدل على الرحمة الإلهية الشاملة .